Showing posts with label من كلّ مكان. Show all posts
Showing posts with label من كلّ مكان. Show all posts

01 April, 2012

في مكنون قوله: «حتّى يغيّروا ما بأنفسهم»ـ




مفردة «التغيير» هي من أكثر المفردات إشكالاً على الصعيد الدلالي. فهي تعني في الاصطلاح "الإصلاح"، ولكن تحمل في مادّتـها وحرفيتها "الغير"، "الآخر". وكأنّ التغيير (على وزن التفعيل) هو أساساً أن نصبح آخرين، غير ما كنّا عليه، حسب السياقات والظروف. تكمن خطورة "التغيير" في أن تكون الأمور "أخرى"، غير ما كانت عليه، وليس مجرّد "إصلاح" العطب أو الخلل كما ينمّ عنه المصطلح. وضرورة التغيير تمليها الأزمنة المتحركة والإرادات الفاعلة. فلا يمكن في أي مكان وفي أي زمان استعمال نفس الأدوات والمفاهيم والتصورات التي تحكّمت في العصور الغابرة. حتى وإن كان من الممكن الاحتفاظ بنفس التركيبات العقلية أو التشكيلات التاريخية أو التأسيسات النظرية والعملية، إلاّ أنّه من المتعذّر أن تكون لهذه التركيبات أو التشكيلات أو التأسيسات الدلالة نفسها أو الاستعمال ذاته من عصر إلى آخر ومن إقليم إلى آخر. لهذا السبب نتحدث عن «التغيير» (الغير، الغيرية، كيف نصبح أغياراً دون أن نتوقف عن كوننا نحن؟)، وأتحدث بشكل خاص عن «لابدية» التغيير كضرورة تاريخية ووجودية لا مناص منها، لأن الحياة تتطور، والعقليات تتقدم، والأزمنة تختلف، فمن المستحيل أن نوقف الزمن أو التغيير بحجة أنه لا يوجد أي شيء نغيّره في حياتنا. فالذي يقف في وجه التغيير هو الذي يخشى أساساً على سلطته ونخبويته ومصلحته، لا أكثر.


نردد في الغالب، بشكل تلقائي وتلقيني، دون الوعي اللفظي والتأويلي، للآية الشهيرة: «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» (الرعد:11). إذا كان هناك أموراً تستدعي التغيير، فهناك قبل كل شيء طريقتنا في رؤية الوجود والوقائع. وهذا ما نستشفه في الآية: ليس «تغيير النفس»، ولكن «تغيير ما بالنفس». وما بالنفس هو طريقة إدراكها للوجود والحياة بالأدوات الحسية أو الذهنية أو الذوقية كما تعلّمنا نظريات المعرفة. أي «ما بالنفس» هو المعيار النظري من العيار الخفيف أو الثقيل في وزن الأمور بميزان العقل أو الحس أو الوهم. فالشيء الذي يتغيّر في النفس وبالنفس هو «زاوية النظر» لترى الأمور من أوجه مختلفة، ومن منظورات مغايرة تحظر عليها النظر بشكل أحادي ومن زاوية واحدة فقط تبني بموجبها الأحكام وتحوّل على إثرها الوقائع إلى حقائق، فتتعسّف في أحكامها وتسرف في رؤيتها. وهنا أورد واقعة تكلم عنها ابن عربي في «كتاب المسائل» وهي الحوار بين الجنيد وسريّ السقطي: «قال الجنيد قال السريّ: سمعت غليم الأسود يقول من أقبل على الأشياء وهو يراها هربت عنه، ومن تركها أتته، قلت له: كيف ذلك يا سريّ؟ قال: كان يذكر أنّه كان يكسب ويجتهد فلا يقوم بكفاية معيشته، قال: فقرأت هذه الآية (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم) فتركت الكسب متوكّلاً على الله بالكفاية، فلو ضربت بيدي إلى هذه الأسطوانة صارت ذهباً وضرب بيده على الأسطوانة فإذا هي تلوح ذهباً. ثمّ قال: يا سريّ، هذه الأعيان لا تنقلب، ولكنّك هكذا تراه لحقيقتك بربّك، فانظر في قوله هكذا تراه يعني الحقّ وهكذا تراه يعني المرئي، أي الرؤية عائدة على الرائي». الرؤية عائدة على الرائي، كذلك التغيير عائد على الذات إذا أرادت أن تتغيّر أو لا. فإذا عزمت الذات على أن ترى المؤامرة أو القَدَر أو غيرها من المعتقدات النفسية، فالمشكلة فيها، وليس في الواقع الذي تسقط عليه إدراكاتـها، أي المشكلة عائدة على رؤيتها أو تواكلها أو تكاسلها، وليس في الأشباح التي تعتقد أنـها تدبّر لها المكائد. فلا يمكن التغيير بالهوس (البارانويا) أو الاعتقاد في الأوهام (مثلما يعتقد الطفل الصغير بوجود الغول)، ولكن يتأتّى التغيير بوضع الذات على محكّ النقد والقراءة التي تستهدف الماضي والحاضر.


إذا تغيّرت زاوية النظر، تصبح «كيفية» التغيير ممكنة ويسيرة، أي عندما نعي بأنّ الوجود متعدد الوقائع والحقائق، وبأن العالم لا يتمركز حول ذات أو منظومة، فإنه يمكننا أن نتغيّر عمّا نحن عليه، نحو وجود أرحب وعالم أوسع، لا ننغلق على بداهاتنا أو مكاسبنا، ولا نغلق العالم بسبب أوهامنا أو غبائنا. وإذا أحسنّا التغيير (أستعمل «الحُسن» بشكل جمالي وخُلُقي كأرقى ألوان التدبير والأداء، مضاهاة للإحسان في الثقافة الإسلامية، الأخلاقية منها والعرفانية) معناه أننا نُحسن تحويل الأنساق إلى الأفعال، و«الرأسمال» الرمزي والثقافي والنصي إلى «صفقات» أدائية و«عُملات» استعمالية. بتعبير آخر، تستدعي «كيفية» التغيير القدرة على تصريف الأشياء أو تحريك الأمور. فلا نتخّذ من تراثنا الملاذ لنحتمي به أو القلعة لنتحصّن ضد واردات الزمان، فنحيا في زمانه وننعزل عن وجودنا، ولكن نجعل منه «أداة» لاستعمال مغاير في الظروف والسياقات التي نحياها، والتي ترتبط بحاضرنا ومصيرنا. التراث هو للاستعمال وليس للتبرّك. مثلاً، النصوص التي نغترف من أفكارها ومفاهيمها، لا نكتفي بتفكيكها لنرى بنيتها ووظيفتها، ولا نكتفي بتأويلها لنقف على مبادئها وغاياتـها، ولكن نستعملها كذخائر لاحتياطات نظرية، وكأدوات لصناعات آنية وراهنة. هذا ما أقصده بكيفية التغيير، فهو يخص العلاقة وليس الحد، يستهدف الأداء وليس الشكل.


لماذا نتغيّر؟ يخصّ الأمر «ما بالنفس». أي لا يتعلّق الأمر فقط بما يجب تغييره خارج ذواتنا من مؤسسات أو نماذج أو برامج، ولكن أيضا بما يقتضي تغييره بذواتنا من أشكال في الإدراك وزوايا في النظر. إنّ «الباء» هي أداة التغيير، أي التغيير بالنفس من أجل النفس.

فإذا أتاح لنا تغيير ما بأنفسنا، فإنّ المؤسسات والتشكيلات تتغيّر، وعكسه؛ إذ أنّنا نتغّير بتغيير مؤسساتنا السياسية وتشكيلاتنا النظرية والثقافية والفكرية. هناك علاقة عضوية وحيوية بين «ما نحن عليه» و«ما نقوم به»؛ علاقة «لادونية» بتعبيرنا، حيث لا تتغيّر الذات سوى بتغيير الرؤية المتجسّدة في الخطاب والمؤسسة والممارسة؛ ولا تتغيّر هذه الرؤية سوى بتغيير إرادي يأتي من الذات يستهدف طريقة التعبير ونمط التفكير وصيغة التدبير. فالملاحَظ إذن أنّ التغيير هو أن تصبح الذات «غير» ما كانت عليه بالارتقاء نحو مستويات أخرى من الوجود والأداء. تتغيّر بالتحوّل في شروطها الوجودية والعملية، وتغيّر بإضفاء شيء مغاير أو مختلف في المستويات أو العتبات التي تنتقل إليها. من هنا، من يزعم بأنّ التغيير يكون بالعودة إلى الأصول التأسيسية المثبّتة في النصوص الأصلية، لا يتوهّم فقط، لا يتوحّم أيضاً، ولكن ينسف الأساس من جذره في إمكانية التغيير كمقولة وكواقع. عندما نقول نتغيّر، فإننا نقصد نتحوّل (نصبح أغياراً، آخرين)، وكيف نتحوّل بالرجوع إلى تأسيسات جاهزة لا تعبّر، بالمعنى التداولي، عن خصوصيات الزمن وتحوّلات الذهنية وارتقاءات العقلية وانفصاليات الجغرافيا؟ أي كيف نتحدّث عن التغيير بصيرورتنا أغياراً إذا كان الرجوع إلى المرجعيات التأسيسية تجعلنا بالأحرى هويات تتماهى مع ذاتـها، لتصبح نفسها، فتدور على رحى ذاتـها؟ كل تغيير هو انتقال بالنصوص لا انتقال في النصوص، حيث «الباء» هي مركب هذا الانتقال أو أداة التغيير؛ إذ «الفائيون» يدورون على رحى النص ولا يبرحون مكانـهم؛ و«البائيون» ينتقلون بالنص وينقلونه في المستويات التي يتقلّبون فيها؛ الفائيون يبقون على عتبة التصلّب والتخشّب، والبائيون يجوبون فضاءات التقدّم والتقلّب.  


أ.د. محمد شوقي الزين؛
كاتب وباحث في الفلسفة والفِكر الكلاسيكي والمعاصر 


25 February, 2012

في المصافحة؛ تأملات


لا شيء يثير ضيقي أكثر من النَّاس التي لا تراعي حدود المساحات الشخصية لكلّ إنسان؛ فتصافح وتقبّل دونما مراعاة لنفسية أو تقبّل الشخص الآخر، المفعول به!

ما الذي سيضيفه لي مصافحة أحدهم – رجلا كان أو امرأة - بيده أكثر من إيماءته لي بالتحيَّة؟

الشيء الوحيد الذي أستعلمه من مصافحة أحد هو معرفة المستوى الاجتماعي للشخص، وظيفته أيضًا؛ فإن كانت اليد ناعمة عرفتُ أنّ صاحبها يعيش حياة رغيدة، أعرفُ – إن كانت امرأة – أنَّ لها زوجًا كريمًا يجلب لها من يقوم عنها بالأعمال الشاقَّة التي تسبب قسوة الجلد وخشونته.. وأرجو في داخلي أن يكون لي زوج كريم لئلا تصبح يدي خشنة، وإن كان رجلًا عرفتُ أنه لا يعمل بيديه، أما إذا صافحتُ رجلا ووجدتُ يده ناعمة جدًا عرفتُ أنّ عليّ ألا أقدّمه لأخي! وهكذا!

ولأنني طالما أردتُ العمل كمحقّقَة في الشرطة، أو عميل سرّي يعرف القاتل فور أن يراه، حاولتُ اكتشاف حسناتِ ما لا أحبّ، فعندما يحرجني أحدهم ويصافحني، فإنَّه يقول لي تلقائيًا: أريدك أن تعرفي كيف أعيش!

من ناحية أخرى؛ كنت أحيانًا أرى نساءً جريئات في رفض المصافحة أكثر منّي؛ رأيتُ إحداهنّ مرة تجذب كمّ قميصها كي لا تحرج الرجل الذي بدأها السلام.

الموقف جعلني أتساءل؛ رغم أنني لا أحبّ تبادل المصافحات والقبلات مع النساء أصلا، إلا أن أوّل ما خطر ببالي أنّها لو قالت له: آسفة لا أصافح الرجال، لكان أجمل بها مما فعلَتْ!

فما فعلتْه – والرجل زميلها أستاذ الجامعة – تخوينٌ لسلامة طويّة الرجل، وإن كانت لا تقصِدُ هي ذلك بردّة فعلِها، إلا أنَّها في النهاية لا تعني شيئًا آخر.

وذلك أرجَعَني لنقطة البداية؛ ماذا قال الله تعالى ورسوله في الأمر؟

ووجدتُ أنَّ الفقهاء أنفسهم منقسمون إلى قسمين، قسم يبيح المصافحة، وقسم يحرّمها، وقسم – وهو الأكثر - يرى أنّها مباحة إلا إذا كانت للتلذذ والشهوة!!

والمقالات التي تستعرض الأدلة لتثبت التحريم موجودة، كما هي المقالات التي تستعرض نفس ذات الأدلة لتثبت الإباحة. وهنا لي وقفة، وسامحوني فسأعرض أقلّ عدد من الشواهد، وسأترك مقالات الطرفين في نهاية مقالي.

أولا: قال تعالى:"وقد فصَّل لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ"، وبداية الآية تستنكر تحريم ما أحلّ الله "وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ"، قد يعارضني أحد، أنَّ هذه الآية المقصود بها أنّ الله بيّن الحرام من الأطعمة، وليس الحرام إطلاقًا، وهو سؤال وجيه ومن حقِّه – كباحث عن الحقّ – أن يطرحه، وسأجيبه بقولي: أين الآية التي تحرّم مصافحة النساء للرجال، والعكس؟

ثانيًا: خطر ببالي تساؤل مهمةٌ جدًا إجابته، متى تكون مصافحة الرجال للنساء بدافع التلذذ والشهوة؟
1. خاطب لم يعقد بعد وكلّما زار خطيبته سلّم عليها، وأبقى يديها طويلا في يديه.
2. عاشق مراهق في الجامعة يقابل حبيبته ويسلّم عليها ولا يفلت يديها!
3. عجوز فاجر يسلّم على النساء أينما رآهنّ!
4. زميل عمل يصرّ على السلام على زميلته كلما رآها! – لم تحدث معي ولم أسمع عن هذه الحالة أبدًا، لكنها واردة!-

ولا أجد أمثلة أخرى.

ولا أجد فيما عدا ما سبق – حين يتحدثون عن التحريم – أنهم يتحدثون عن عظيم، فلا يوجد من يسلّم بالأيدي في محيط العمل أو الزمالة، بل هي مواقف معدودات من حين لآخر، وهؤلاء تكون مصافحتهم بلا موعد، ولم يخطط الرجل "الشهواني المريض!" لها قبلها بسنين لكي – عندما يأتي ليمدّ يده – أمدّ له كمّ قميصي باستياء وكأنّني بهذا انتصرتُ ومنعت عنه الإثارة التي كان ينتظرها!

مثال آخر قميء حدث أمامي، أحدهم قال لإحدى الزميلات أمامي:"كنتُ لأسلّم عليكِ لكنني متوضئ"!
ونعود مرّة أخرى للأدلة والشواهد، وأعني بهما الكتاب وصحيح السنّة، فلا نجد ما يقول ذلك، ونجد أنهم يستشهدون بآية الوضوء "أو لا مستم النساء"، سلبوا الأمّة - رجالا ونساء- عقولها، وأفقدوها طهورها بمصافحة.

ذكر ابن تيمية في موضع آخر: أن الصحابة تنازعوا في قوله تعالى: "أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء" فكان ابن عباس وطائفة يقولون : الجماع، ويقولون : الله حيي كريم يُكَني بما شاء عما شاء، قال : وهذا أصح القولين وقد تنازع العرب والموالي في معنى اللمس: هل المراد به الجماع أو ما دونه؟ فقالت العرب : الجماع، وقالت الموالي: هو ما دونه، وتحاكموا إلى ابن عباس فصوب العرب، وخطأ الموالي.[1]

ثالثًا: قلتُ بأنّ من يحرّم ومن يحلل يستخدم نفس الأدلة، وهذا مما برعت فيه اللغة العربية على مدار أكثر من ألفِ سنة، ولا عجب فهي لغة الغواية كما أعتقد، وأقول دومًا، وطالما احتملتِ الشواهد الأمر وضدّه فقد بطل استخدامها كدليلِ جزْمٍ على أحد الأمرين.

كما أنَّ لدينا قاعدتين أصوليتين في الفقه؛ أولاهما: أنّ الأصل في كلّ الأمور الإباحة؛ ثانيهما: قاعدة فقهية تعلّمتُها من رسول الله عليه الصلاة والسلام حين قال: " مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ" البخاري ومسلم
وقوله: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودَاً فَلا تَعْتَدُوهَا وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا". حديث حسن
فلماذا لا نعتبر هذه المسألة، كما مسألة الغناء – هذه قصة أخرى- من المسكوت عنها؛ فنسكت؟
لو أنّ السكوت ليس قاعدة أصولية فيجب عليه حقًا أن يكون.
رابعًا:
ردًا على من يستدل على تحريم المصافحة بأنّ الرسول لم يصافح النساء في البيعة، يلحّ في بالي تساؤل كنحلة مزعجة، كيف لم يخطر ببال أحد من العلماء الأفاضل أنّ السبب في عدم سلام الرسول عليه السلام على النساء هو كثرة عدد النساء؟ وفي المعتاد في أي مكان عندما يقابل الواحد عددًا كبيرًا فإنّ السلام أو العهد أو أيًا كان مناط الموضوع، يصبح شفهيًا باللسان فقط؟ وأنّهنّ جميعًا نساء حديثات عهد بإسلام، فكيف يسلّم على كلّ واحدة بذاتها ويتلو عليها الآيات، ومن ثمّ يجيب عن مسألتها وكلهنّ في التساؤل والعهد والحدث الجلل سواء؟

خامسًا:
أختم بقول الشاطبي:
"ولذلك لا تجد فرقةً من الفرقِ الضالة ولا أحد من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مرّ من ذلك أمثلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة؛ ...  ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد: وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامّها المرتب على خاصّها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بِبَيّنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها، -إلى أن قَالَ: فشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة واحدة، يخدم بعضها بعضاً كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، وشأنُ متبعي المتشابهات أخذ دليلٍ مَا أيّ دليل كان عفواً وأخذاً أولياً وإنْ كان ثم ما يعارضه من كلى أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به ومن أصدق من الله قيلا"




 [1] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج21، ص(223-224)، ط الرياض


10 February, 2012

حمزة كاشقري

حمزة شاب سعودي؛ كتب في جريدة البلاد؛ وله مدونة تنضح بالرقي والجمال؛ لكنّه ارتكب خطأ جسيمًا؛ يوم أن قرر أن يفضفض للرسول عليه السلام مباشرة في يوم مولده؛ أمام جمع ممن لا يفهمون التأويل؛ ولا يعرفون عن التفسير والنوايا إلا أسودها وأكثرها شرًا وسوءًا.

قامت الدنيا ولم تقعد؛ ووصل الحدّ إلى المطالبة برأسه من كثير من أبناء الشعب السعودي؛ الذي يدّعي في إخلاصه في إهدار دم حمزة؛ أنّه ما يفعل ذلك حين يفعل؛ إلا دفاعا عن كرامة النبي؛ وتلقينًا لهذا العلماني الليبرالي اليهودي!

وما تعرفونه؛ أنّ السعوديين حين يكرهون شخصًا؛ فإنهم يصفونه بهذه الأشياء؛ كونك مكروه يعني لا تخرج عن كونك رافضي/علماني/ليبرالي/يهودي؛ أو كلّها معًا! - ولا أدري كيف لكنهم أدرى -

هرب حمزة إلى ماليزيا؛ بعد أن أصدر الملك عبد العزيز قرارا "باتخاذ الإجراءات اللازمة" معه؛ وذلك بعد أن مُنِع من الكتابة في الصحف السعودية كافّة بقرار من وزير الإعلام السعودي!

لم تنته القصّة؛ الغاضبون الثائرون عاطفيًا؛ المغيّبون؛ الجاهلون جهلا مقدسًا - على قول أركون - يريدون رأس الفتى! 

الخبر منشور في الصحافة الاسترالية والواشنطون بوست وقنوات فوكس وتم عمل عريضة للتوقيع عليها للمطالبة بحقن دماء حمزة. ومجموعة هنا على الفيسبوك تنادي بحقه؛ وصفحة أخرى أعجب بها عدد هزيل من الناس.

وبنظرة إلى الصفحات التي تطالب برأسه؛ وأعداد الناس فيها؛ وكمية العنف والرغبة في الانتقام فيهم؛ أجد أنّ الأمل في التقدم كشعب عربي وسعودي خاصة مازالت تحلّق بعيدًا. لا زال الشعب يكتم الأصوات العالية؛ والسياسيون يدعون الشعب كالرعية الهوجاء؛ لأنّ هذا - بالطبع - يجعلهم منشغلون عمّا يفعلون!

وأجد أنّ الإسلام أكثر ما يكون غربةً في بلاد الإسلام.

يقول عيسى سلمان*:

إن ما قاله الكاتب حمزة كاشغري من عبارات حول الرسول صلى الله عليه وسلم كلمات ذات طابع أدبي سريالي قابل للتأويل و التأويل الآخر، فبوسع المرء أن يؤولها على أنها إساءة، كما بوسع البعض أن يؤولها على أنها عبارات مغرقة في المجاز إلى حد السريالية و أنها تنطوي على حب عميق للنبي صلوات ربي و سلامه عليه !
أن تصف عظيما بالصديق، تستطيع أن تفهمها استصغارا، مع إمكاني أن أطبق أمر الله فأحسن الظن, ونتأولها نحو المبالغة في الحب، خصوصا وقد تم -خلال الساعة نفسها، وقبل تصعيد بعض الموتورين- اعتذاره بأنه أساء التعبير و أن مقصده حب الرسول عليه الصلاة والسلام .. هذا غير بيانه المطول الأخير !

لا أعلم أي منهج يؤطر فهم هؤلاء للدين -خصوصا من يدعون طلب العلم الشرعي- وكيف يجرؤون على تأويل المتشابه من القول، وهم يعلمون بوجود ما هو أحد و أشد وطأة، وأوضح لمحبي التكفير في التراث الاسلامي، ومن كبار الأئمة!
وقد لا يعلم هؤلاء ولكن غرهم الاتباع وفتنوهم بأنفسهم فنصبوا حالهم علماء يحكمون باسم الله عز وجل ويصدرون شهادات الحياة والايمان أو يسحبونها !


إن الإمام أبو حنيفة يقول مقولة لو عاش بعض الموتورين في زمانه لطالبوا بدمه عنترية وجهلا.. وهذه المقولة أحق بالشك لدى الموسوسين مما قاله حمزة! ولكن الاغترار بقداسة الاشخاص تفرق وتسطح الامور !


يقول الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة النسخة التي حققها د محمد القحطاني ونشرتها دار ابن القيم صفحة ٢٢٦ من المجلد الأول:"كان أبو حنيفة يقول:(لو أدركني النبي صلى الله عليه وسلم أو أدركته لأخذ بكثير مني ومن قولي)" انتهى كلامه!


ولست أدري ماذا كان سيكون موقف الهائجين اليوم من الإمام أبي حنيفة إذ يقول ما يقوله، و هل كانوا سيتهمونه بالإنتقاص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو إدعاء النبوة؟! لكن يبدو أن حمزة كاشغري كان الحائط القصير الذي سهل على الجميع القفز عليه !

تقول إحسان:
ليس من الضروريّ يا إخوتي لنا ولكم أن نهرف في كلّ قضيّة رأي عام تضجّ في المجتمع، الصّمت أولى بنا وأعدل أمام الله حين يتعلّق بشخص لا نعرف عنه شيئًا، هناك الكثير من الحقائق خلف كلّ قصّة وحقائق أكثر تعقيدًا خلف كلّ إنسان، أنت لا تعرف - في هذا الزّمن - عن أخيك الّذي يقاسمك المنزل نصف ما في نفسه، فكيف تثأر وتجزر وتطالب بقتل شابّ لا تعرف عنه إلاّ تغريدات تويتر؟


وفكّروا، كم سأريد من النّاس أن يصمتوا لو أصبح ابني فجأة قضيّة رأي عام !




وإليكم ما قاله حمزة


*كاتب ودارس للعلوم الشرعية بالسعودية

14 January, 2012

نقد العقل المسلم

كم حزنت لأنني لم أعرف هذا الكاتب الرائع من قبل، كتاباته متّزنة عاقلة، فِكره ملائم تمامًا لما أبحث عنه، كُلّ ما قرأتُ منه سرّني.
وكم حزنت لأنني لم أعرف أنّه نفس كاتب كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة" أيضًا، والذي كان بالأساس ردًا على كتاب "تحرير المرأة" لـ قاسم أمين.
أتحدث عن كتاب "نقد العقل المسلم" لـ عبد الحليم أبو شقة رحمه الله.
يقع الكتاب في ثلاثة فصول؛

الفصل الأول: أزمة العقل المسلم المعاصر.
الفصل الثاني: حول منهج التفكير الإسلامي.
الفصل الثالث: حول الخلاف والحوار.

يبدأ الفصل الأول بتبيان حجم العقل كنعمة خاصّة بالإنسان دون غيره من الكائنات، وربط الكاتب العقل بالإيمان ربْطًا يجعل أحدهما بدون الآخر خللًا في النفس، فكيف يكون الإيمان بلا عقل إلا عبودية لبشر؟ فنحن لم نر الله تعالى، ولم نتوصل إليه إلا بعقولنا، وما كان الهدي النبوي عبر الأزمنة إلا مكمّلا للطريق الذي ابتدأه العقل نحو الإيمان.
وما العقل دون إيمان يهديه ويرفع من إنسانيته وروحه؟ ودون قِيَم عليا يهتدي بها تحميه من تدمير نفسه والعالَم؟

العقل الواعي المتأمل المتحرر هو أجلّ ما في الإنسان، فلا هو ينجرّ أعمى نحو سلطان التقليد، ولا سلطان الهوى. وهو أنبل ما في الإنسان وهو الذي يرفع الإنسان إلى أن يكون متميزًا عن غيره من الكائنات التي لا تحتاج إلى العقل.
ثم يقول أنّ الدين جاء ليحرر العقل من الأثقال ولكنّ ورثة الدين يحجرون عليه بتضييق نطاق عمله، وإجباره على تقديس عقول الآخرين، والإنسان عندما يقدّس عقل آخر فإنّ ذلك يعني حتمًا إلغاء عقله. لأنّك لن تجرؤ على التفكير فيما يخالف ما قاله المقدَّس، وإنْ جرؤتَ على التفكير فلن تبوح به، ومن هنا يبدأ التقهقر الفِكْري في المجتمعات عامّة.
ثم يذكر الكاتب مظاهر الانحطاط الفكري، الجمود الفكري، التقليد المذهبي، الاستهلاكية، حصر الجهود في علوم اللغة والشريعة مع التركيز على التقعّر الشكلي دون المضمون، انعدام الاستقرار السياسي، نبذ العلوم الطبيعية وغيرها ..
ويستعرض أعراض انحراف العقل المسلم المعاصر:

1. الغفلة عن القواعد الأصولية والقواعد الفقهية.
كعدم مراعاة الأولويات فيتم تضييق الحلال وتحريم المباح بحجة سد الذرائع، دون فهم حقيقي لدرجة المصالح ودرجة المفاسد وعمل إحصائيات ودراسات ميدانية قبل اتخاذ قرار مصيري يخص الأمة.
ومنها عدم تقبل التعدد والتنوّع والاختلاف، فالاجتهاد باب أساسيّ في الفقه، لكنّ بعض الناس حجروا على باقي المسلمين بحجّة أنّهم ليسوا من أهل العلم، وأنّ الاجتهاد ليس لكلّ أحد فانصرف النّاس عن التفكّر في الدين وأخذوا عمّن جَهِل وأجْهَل.

2. الوقوع في بعض المزالق الفكرية.
ومنها التفسير بغير علم، والقول بأنّ الدين يحلّ جميع مشاكل الحياة، وهو قول قد يفهم بشكل خاطئ وسيء جدًا، فيظنّ الناس أننا لسنا بحاجة إلى عقولنا ولا إلى أن نعمل لنحلّ مشاكلنا بأنفسنا، وهذا مزلق فكري، فالعقل هو الأداة التي ستستخرج الحلول لهذه المشاكل من الشرع.

ومنها الفصام في النظر للنصوص الشرعية أو اعتبار حديث واحد مصدرًا للتشريع، في الوقت الذي تتوافر فيه أحاديث أخرى ناسخة أو مخَصِّصَة.
ومنها معرفة الحق بالرجال لا الرجال بالحقّ، وتقديس الأشخاص، مع أنّه حتى الرّسل عليهم السلام عرفهم الناس بالحق. فكان الحقّ ابتداء على وجودهم.

3. سيطرة الأعراض النفسية السلبية.
كالخوف من البوح بأقوال لم يقلها السابقون بحجّة أنّها بدعة أو ضلالة، مع أن الحديث يقول:"من سنّ في الإسلام سنّة حسنة" أي أن الاجتهاد عندما يصيب فإنه يجنّب الناس الشرور ويقدّم المصالح ولذلك فإنه مطلوب في كل عصر وحين، ومن كلّ مسلم عاقل يفكّر، ومن الأمراض تقديم النوافل على الفرائض والانشغال بالجزئيات عن الكليّات، والاتكالية وشخصنة المبادئ والأفكار، وفقد الثقة بالنفس والآخرين وغياب الموازين المحددة لما يقبل وما يرفض من نتاج حضارات الآخرين، والتفكير الأحادي الغير متعدد الزوايا وغيرها الكثير مما تجده واقعًا ملموسًا في المجتمعات العربية بشكل عام.

تراكمت الأزمة على مدى عقود، حتى أصبح الاعتقاد راسخًا أن عقول المسلمين أعجز من أن تتعامل مع النصّ بشكل مباشر، فتعطلت عقول الناس؛ وأنّ ما بيننا وبين حضارات الآخرين هو صراع علينا أن نكسبه بالتعصّب الأعمى لماضينا دون أن نتحرك خطوة واحدة على طريق مستقبل ناهض، وأصبح المهم حفظ المتون والنصوص والشروح والميل لقراءة وجهة نظر واحدة واتباع مذهب واحد دون قراءة أدلة المختلفين فضلًا عن محاولة التجديد والاجتهاد!

"ومن عيوب العقلية المتدينة المتشددة استعدادها الكبير للتشدد في أمور الدين ولسان حالها يقول "زيادة الخير خيرين" وكأنّ كل زيادة في الدين خير، بينما كلّ نقص مهما صغر فهو أكبر الشرور. وبهذا يختل الميزان الذي وضعه الشرع لحدود الخير والشرّ."

"إنّ تنزيه الله عز وجل وتقديسه واجب إسلامي، لكن الخطأ أن يتحول إلى تقديس كل ما له صلة بالدين، فأي أمر وأي إنسان منسوب إلى الدين (قيادة جماعة دينية / رجل صالح / عابد / رجل عالم / مجاهد .. ) كل هؤلاء يلحق بهم التقديس والتقدير المبالغ فيه من أتباعهم، فتختفي الأخطاء وتتحول إلى كرامات وعبقرية!"

ثم يضع الكاتب تصورات أولية لإعادة تشكيل العقل المسلم بالتركيز على ثلاثة محاور أساسية: تغيير الإدراك وأنماط التفكير، والتنوير بالمعلومات الصحيحة المنهجية عن الشرع والواقع كلاهما، وأخيرًا محور التلاقي بين ما سبق لبلورة تصوّر التغيير وبدء التنفيذ.

ويبدأ الفصل الثاني بأهم نقطة في صناعة الحضارات، وهي صناعة الإنسان، فكلما ارتقى الإنسان وبلغ درجة عالية من التحضر أدرك أهمية صناعة الإنسان، وأولاها عناية خاصة تفوق عنايته بصناعة الآلات، ورسم الخطط وبذل المال لإعداد صانعي الإنسان وصانعي الأجيال.

ثم يتحدث عن منهج إسلامي منطقي عقلاني يعتمد على التروّي في أخذ المعلومة والقدرة على نقدها بحياد دونما الاتكاء على مشاعر وانفعالات سابقة، ويتحدث عن المنهج العلمي، وكيف أنّه مطلوب أيضًا في مسائل العقيدة فضلا عن مسائل التشريع وقضايا التفكير.

ثم يحدد مصادر المعرفة الإسلامية:
1. الوحي كمصدر لبعض المعلومات عن الكون، بعضها وصلنا إليها بالعلم التجريبي وبعضها ماوراء العقل.
2. الكون. ووسائل تحصيل المعرفة فيه هي الحس والعقل.
ويحدد مناهج البحث والتحصيل بـ:
1. منهج البحث العلمي التجريبي.
2. المنهج العلمي الذي يدعو إلى التحرر من إسار الذاتية إلى الموضوعية.
3. منهج أصول الفقه والقواعد الفقهية وهو المنهج الموصل لحقائق الوحي باعتباره مصدرًا للمعرفة.
ويذكر ملامح أخرى للمنهج الفكري الإسلامي لا يطول المقام لذكرها.

في الفصل الأخير يتحدث الكاتب عن الخلاف والحوار، وعن أهمية كلّ منهما، فالخلاف ضرورة من ضرورات الخلق، ولن يتفق الناس جميعًا على شيء واحد ولو أردنا ذلك.

فالحلّ إذن في التحاور، وليس على أحد الأطراف أن يكون صوابًا والبقية أن يكونوا مخطئين، فقد يكون الجميع على صواب فيكون التعاون للنهوض بالأمة آكد.

لقد أصرّ المشركون على الرسول عليه السلام أن يأتيهم بمعجزات ماديّة حسيّة لكن العلم الإلهي رأى أنّ القرآن وحده كاف لذلك، وأنّ على البشر أن ينضجوا ويبدؤوا باستعمال عقولهم.

23 December, 2011

كثير ظَنّ



"يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظَنِّ، إنَّ بعض الظنِّ إثم – الحجرات:12"


يـا أيّها الذين آمنوا بالله خالقًا للنفوس، وحده عارفًا خفاياها، بالعقل الذي يجعلك تعرف بداهة اختلاف الظروف والأنواء والنوايا، بالعِلْم الحديث؛ وأنَّ الظنون - والسيء منها بالتحديد - يُشْغِل الإنسان عن الكثير من الانتفاع الذي قد يمكن تحصيله بدلا من تبنّي ظنون ليست لها صحّة، ويدفعه للانحباس في عالَم من صُنْعِ خيالِه- والذي يصبح خيالا مريضًا مؤذيًا إن استفحلت به مساحات الظَنّ-؛ أيها المؤمنون بأنَّ للإنسان قلب، أريحوا قلوبكم من الظنون السيئة، اقطعوا بعض الظن باللامبالاة، أو بالتساؤل، أو بالفضول الإيجابي الذي يدفع للمعرفة الحقيقية، واجتنبوا كثيره.


"كثيرًا من الظن" وليس كلّ الظنّ، لأنه كما أنّ بعض الظنّ إثم، فإنّ بعضه صحّي ومطلوب، لكن ذلك الظن الصحي مطلوبٌ تجاهه رد فعل صحّي، كالتحقق منه، لأنّ المعرفة نور، والمعرفة ليست فقط أن تعرف المعلومة، بل أن تتعرف على أبعادها.


أمّا الظنون التي لا يمكن التحقق منها، فليس لها إلا حلّ من اثنين، إمّا أن تستسلم لها فتكون تعسًا، مع نفسك، ومع الأشخاص الواقعين تحت ظنّك؛ أو تتخطاها وتترك أسبابها فتكون حرًا.

31 August, 2011

الحديث المظلوم، الآية المظلومة


"إنَّما هي أعمالكم تُردّ إليكم، كما تكونوا يُوَلَّ عليكم"
يقول مالك بن نبي عن الحديث: "يحذّر فيه الرسول عليه السلام المسلمَ من كل استسلام للأمر الواقع"*، ونستشهد نحن به في السياق الخاطئ، فنجعله حجّة للسكوت عن الحاكم المستبدّ بحجّة أنّ الحاكم السيء دلالة على أنّ الشعب فاسد فالحاكم من الشعب وأخلاقُه أخلاقهم.

تمامًا كما تركنا الآية "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ"

وأصبحنا نستشهد بجزء منها فقط "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، وكان هذا مبرّرا لرفض البعض للثورات العربية؛ قائلين بأنّ الأفراد عليهم أن يتغيروا أولا قبل أن يطالبوا بتغيير الأنظمة الحاكمة.

وليس لديّ سوى إجابة واحدة على هذا المبرر السخيف، لو أنّنا أردنا إصلاح بيت ما، هل سنبدأ بإصلاح الأطفال؟ أم أنّنا سنبدأ بتوعية الآباء، ثم يكون على الآباء إرساء قواعد وقوانين أخلاقية مُلزِمَة لكلّ سكان البيت بحيث ينصلح حال البيت؟

الفرق كبير بين الإصلاح الديني والإصلاح المجتمعي، أوّلما ظهرت الدعوة الإسلامية كدين بدأت بالأفراد واحدًا بعد آخَر لأجل صنع مجتمع مسلم، بينما حين تم إرساء قواعد الدولة الإسلامية في المدينة فإنّ الرسول عليه السلام هو الذي أرسى قواعد وأسسًا سيسير على أساسها المجتمع بادئًا بعملٍ مدني بحت هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، بلغة اليوم يمكن أن نقول: تكافلا اجتماعيًا للمهاجرين الذين جاؤوا من مكة إلى المدينة لا يملكون شيئًا، وإرساء لقواعد المواطَنَة، وتوزيعًا للثروة بين أهل البلد الأصليين وإخوانهم الوافدين عليهم، حتى لا يصبح المجتمع طبقتين، طبقة من الأغنياء أهل البلد الأصليين، وطبقة من الفقراء الفارِّين من بطش أهلهم.

عودة للآية؛ المعقبات هي الملائكة الموكّلة بكتابة الأعمال كما هو مشهور في التفاسير، ومن سياق الآية يبدو أنّ للملائكة، سواء نفسها أو غيرها، وظيفة أخرى هي حفظ الإنسان أيضًا، وهنا قد يتساءل البعض عن كيفية عملها، وهل فعلا تحفظني الملائكة من السرقة مثلا؟ هذا موضوع ميتافيزيقي آخر تمامًا، المهم الآن، هو أنّ الإنسان سيبدأ بالتغيير فيغيره الله، ثم أتبع ذلك بـ"وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردّ له" أيّ أن الإنسان سيتغير، وبعد ذلك سيصيبه السوء فلا تحفظه الملائكة لأنّ الله أراد به ذلك، والملائكة التي "حفظته سابقًا من أمر الله" لن تستطيع الآن فعل شيء، "فلا مردّ له" وما له من دون الله من وليّ.

الآيات السابقة لهذه الآية مباشرة: "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ. له معقّبات .. "

ما العلاقة بين هاته المعقّبات وبين الإنسان؟ أو بينها وبين أعمال الإنسان بالتحديد السرية والجهرية؟ ومتى تكون متواجدة لحفظه ومتى تذهب عنه؟ ما الخطّ الفاصل بين حفظها له من أمر الله وبين عجزها عن ردّ السوء؟ ما آلية عملها فعلا؟ وهل "الهالة" التي تحيط بالمرء ليست مجرّد خرافة؟

الله أعلم.

* كتاب: بين الرشاد والتيه. ص68

22 July, 2011

هكذا قرأتُ زرادشت

زرادشت؛ رجلٌ أراد أن ينير نفوس الناس؛ فرهن وقته ليبثَّ الحكمة فيهم بمحاضراته وكلماته النيِّرة! كانوا يستهزئون منه في البدء؛ ومن ثم؛ وبطبيعة الوقت والترحال؛ أصبح له تلاميذ.

*

انتهيتُ مؤخرًا من كتاب نيتشه "هكذا تكلَّم زرادشت" ترجمة: فليكس فارس وتقديم: عيسى الحسن... أخيرًا عرفتُ من هو زرادشت؛ كنتُ أعرف اسم الكتاب وأتعجب عن زرادشت هذا الذي نقل نيتشه كلامه؛ إلى أنْ عرفتُ الحقيقة.

إنَّه الاسم المستعار لنيتشه!

نيتشه هو الذي كان يرى أنَّه يقدّم للناس خلاصة الحكمة في كتابه هذا. يكتب بروح شاعر وفيلسوف؛ وبرغم أنَّه قد يبدو أحيانًا وكأنَّه يدعو لدحر العاطفة والعمل بالعقل فقط؛ إلا أنَّ كلامه ينضح بأهمية الروح، التعاطف والإشفاق.
فكأنَّه يصف طرفي الإنسان في تعاملاته؛ ووجوب حصوله على الغِلْظَة واللين معًا.
زرادشت؛ الذي يرافقنا طيلة الكتاب رجل ترك موطنه وأصبح يجول في الأرض باحثًا متأملا؛ لا يؤمن بالله؛ ويتعجب ممن يفعلون؛ ويرى أنَّ الدين وسيلة الضعفاء للحياة؛ الله، المسيح، الرهبان، الكنيسة، وفكرة الصلب من المفردات التي تثير سخريته لأقصى درجة؛ ومع أنَّه نشأ في بيئة دينية؛ إلا أنَّه كان يرفض الدِّين تمامًا؛ ومن وجهة نظري – بعد قراءة الكتاب – أنَّه يرفض الخنوع لفكرة تجعله يرفض مواجهة الحياة أو الجَلَد بحجَّة أنَّك تطلب التعويض من الإله بسبب إيمانك بهذه الفكرة؛ وهو ما يوجد لدى كثير من الذين يفهمون دينهم بشكل خطأ؛ الإسلام على الأقل؛ فيقولون لك "اصبر واحتسب" و"لك الأجر والثواب"؛ خالطين بين الصبر على ما لا يمكن تغييره بحال؛ وبين واجب العمل على تغيير ما يمكن تغييره.
يريد زرادشت أنْ يرتقي البشر ليصبحوا متفوقين، ويرى أنَّهم على ماهم عليه من العوام، إلا من جاهد نفسه – ويعظّم في ذلك من شأن جهاد النفس – لأجل أن يصبح إنسانًا متفوقًا راقي التفكير والسلوك.
وتختلف نصائحه بين النصائح المباشرة؛ وبين نصائح أخرى قالها له بعض من قابلهم أثناء ضربه في الأرض.
يتحدث عن معاني روحانية ويجيب بعض الأسئلة الثقيلة على الروح؛ يدعو إلى الإصغاء إلى صوت الجسد لأنَّه لا يكذب؛ يعتزَّ بأرضيتِه بدلا من ادعاء السماويَّة. أن يتصالح الإنسان مع نفسه وأن يقبلها كما هي ويحاول ترقيتها حتى يصبح إنسانًا كاملا، والإنسانية لديه لا تعني الملائكية، بل تعني الاعتراف بترابية الإنسان وجهاده لنفسه حتى يصل إلى أعلى رقيّ إنسانيّ ممكن.

"يا زرادشت؛ إنَّ ثمارك قد نضجت ولكنَّك لم تنضج بعد لتقطفها، لذا وجب عليك أن تعود لوحدتك حتى تصير ناضجًا."
يقول: "لتكن فضيلتك أسمى من أنْ تستخفّ بالأشياء عند تحديدها" في دعوةٍ إلى عدم تسمية الأشياء بغير مسمياتها فينتشر ما يطلق المرء من تعاريف خاطئة!.
يقول أيضًا:"إنني أبغض كل قارئ كسول – عن الكتابة يعني - لأن من يقرأ لا يخدم القراءة بشيء، وإذا مرّ قرنٌ آخر على طغمة من القارئين فلا بد من أن تتصاعد روائح النتن من التفكير! إذا أعطي لكل إنسان الحق في أن يتعلم القراءة، فلن تفسد الكتابة مع مرور الزمن فحسب، بل إنَّ الفكر نفسه سيفسد أيضًا."
ويقول:"تريدنا الحكمة شجعانًا لا نبالي بشيء، تريدنا أشداء مستهزئين، لأنَّ الحكمة أنثى، ولا تحبّ الأنثى إلا الرجل المكافح الصلب"

*

قال: "لم تبلغ المرأة بعد ما يؤهلها للوفاء كصديقة، فما هي إلا هرة، وقد تكون عصفورًا، وإذا هي ارتقت أصبحت بقرة".
عندما وصلتُ لهذا المقطع ضاقت نفسي من نيتشه ومن الكتاب؛ ظنًا أنَّه يحتقر المرأة بشكل خاص؛ ثم بعدها مباشرةً؛ وجدتُ أنَّه يحتقر الرجال أيضًا؛ فخجلتُ من نفسي أنْ أضيق بمن يشبهني في حديثه. ليس من حقي أن أضيق به وقد طاح في الجميع! والمساواة في الظلم عدلٌ كما يقولون!
ولا أدري بعدُ – صدقًا – ما يوجد في البقرة يجعلها أرقى من الهررة والعصافير!
قال بعدها: "ليست المرأة أهلا للصداقة، ولكن ليقل لي الرجال من هو أهل للصداقة بينهم؟ إنَّ فقر روحكم وخساستها يستحقان اللعنة أيّها الرجال، لأنَّ ما تبذلونه لأصدقائكم يمكنني أنْ أبذله لأعدائي دون أن أزداد فقرًا"
ويقول – فيما يبدو للجميع – : "إنكم لا تتخذون إلا الأصحاب؛ فمتى تسود الصداقة بينكم؟"

*

يقول نيتشه: "لقد مات جميع الآلهة فلم يعد لنا أمل سوى في ظهور الإنسان الكامل"؛ فهل يعني أنّه كان هناك آلهة ثم ماتوا؟ وهل يعني – أم أنها ثقافتي تحكم – أنَّ الاتصال بين السماء والأرض قد انتهى وآل مآل الأرض للأقوى من البشر؟

*

ورغم كلّ ما يبدو على زرادشت من الثقة والعلوية التي يتحدث بها ناصح معلِّم إلى تلاميذه؛ فقد قال لأتباعه أنّ كلامه ونصائحه كلّها ربما تكون خطأ؛ وأنّه لا دليل على صحة ما يقول أو أنّه هو نفسه قد يغير رأيه فيما قال يومًا ما. ولا أدري إن كان هذا تواضعًا؛ أم أنَّه انطلاقًا من شعوره بأنَّه الباحث عن الحقيقة الذي يريد للجميع أن يبحث معه لا أن يأخذوا كلامه كأمر مسلَّم به؛ فهو بحاجة إلى من يناقشه لا من يؤمن به دون تشكيك.
يقول: "اللطف لا ينفصل عن مكارم من بلغوا الأوج بتفكيرهم"
ويقول: "إن بين الإفراط والتفريط قيد أنملة، فلا تحتقروا هذا المدى لأنه بعيد وإن قصر"
ويقول: "ما من جمال إلا في تنازل القوة إلى الرحمة"
ويقول: "إن السعادة تتأثرني لأنني لا أتأثر بالنساء. وهل السعادة إلا امرأة؟"
يعظِّم نيتشه من أهميّة الفرد؛ وتحقيق رغباته هو وإرادته هو؛ ويشدد على رفض تنفيذ الأشياء في قطيع دون تفكير فيما يرغب فيه الفرد أولا؛ ويشدد على أهمية أن يحب المرء نفسه أولا قبل أن يحب غيره.

*

يقول عن الزواج: "انتبهوا لكل زواج تعقدونه واحذروا العقود الفاسدة لأنكم إذا تسرعتم بها لا تجنون غير حلِّها، على أن فسخ الزواج خير من تحمله بالمصانعة والمخادعة".
ويقول: "ليس ما فُرِض عليكم أن تتناسلوا وتتكاثروا فحسب، بل عليكم أن ترتقوا أيضًا، فلتكن جنَّة الزواج مدخلكم إلى المرتقى".

الكتاب يستحقّ القراءة. لو أنَّك من المهتمين بسبر أغوار النفس البشرية. والتأمّل فيها.. جدير بالذكر أنَّ نيتشه أصيب بالجنون في نهاية عمره وبقي وقتًا طويلا في مصح نفسي؛ وبحسب ويكيبيديا فإنَّ أمه أخرجته منها ليمكث معها حتى فارق الحياة. ويوعز المحقق ذلك إلى أنَّه لم ترض به امرأة أبدًا؛ فلم يتزوج ولم يسكن إلى امرأة أو تسكن إليه امرأة، ويقول:"لو وجد نيتشه امرأة تؤمن به حتى النهاية لأنقذته من الجنون" لأنّ العقل البشري يعمل بطريقة مختلفة عندما يكون وحيدًا، فكيف بعقل كعقل نيتشه؟
الوِحدة؛ هي سبب قوله:"الآن لم يعد أحد يحبني، فكيف أستمر في حبي للحياة؟"؛ "حتى الضوضاء تكون عزاء بالنسبة للإنسان الوحيد"؛ "المتوحد يلتهم نفسه في العـزلة ومع الحشـود تلتهمـه أعـداد لا متناهية" وأخيرًا: "إني أشتاق إلى الكائنات البشرية وأبحث عنهم، ولكنني دائما أجد نفسي فقط، مع أنني لم أشتاق إلى نفسي، لم يعد يأتي أحد إلي، ولقد ذهبت إليهم جميعا ولم أجد أحدًا".

22 June, 2011

اكتبني لأفهمـ ـكـ

ـــ ماذا تكتب؟
ـــ ما أحاول أن أفهم.
ـــ متى تفهم؟
ـــ غالباً عندما أكتب.
ـــ وماذا تفهم عندما تفهم؟
ـــ أن الكتابة هي أكرم أشكال العناق.
ـــ اعترفْ بأنّ ما يحتاج فعله إلى دقائق عند سواك يحتاج عندك إلى سنين. اعترفْ وقل لي السبب.
ـــ الخوف من أن تذهب الروح مع الفعل. الحياة هي مجموع ما نؤجّل.
ـــ ما هذه النظريّة السخيفة. الحياة أفعالنا وليست العكس. العكس هو النوم عن الحياة.
ـــ هذا ما تظنّه، وبعد أن يمضي الوقت تجد أن الحياة ليست ما فَعَلْنا بل ما لم نفعل، وآثارنا الممحوَّة هي التي تنفخ الروح في آثارنا الظاهرة.
ـــ ماذا يقول لك ابن السنين السبع الناظر إليك بعينيه اللتين تأكلان وجهه؟
ـــ يقول لي بأبلغ ما يكون ما سوف يجتهد لقوله كبيراً لسائر الكبار ولن يستطيع.
ـــ مثلاً؟
ـــ أَنّه وَجَد الأشياء قبل أن يستيقظ ويبدأ في البحث عنها.

■ ■ ■
 
ـــ لم أتوصل بعد إلى إيجاد الرابط بينك كشخص يوميّ وبين كتاباتك.
ـــ الشخصان اختراع مَنْ يراهما.
ـــ أَمَا من حقيقة في هذين الشخصين؟
ـــ عبوديّة التظاهر عند الأوّل وحريّة التخفّي وراء زعم التعرّي، عند الثاني.

■ ■ ■
 
ـــ هؤلاء الناس الذين يَعْبرون الطريق...
ـــ هؤلاء الناس الذين يستثيرون غيرتنا لأنّنا نظنّهم أفضل منّا حالاً.
ـــ أليسوا فعلاً كذلك؟
ـــ هم كذلك ما دمنا نشاهدهم لحظتين، قبل دخولهم وراء الجدار، هناك حيث الأشياء مرعبة، وحيث الأسوأ في هذه المرعبات أنَّ رأسها فراغ وذيلها وَجَع.
ـــ أما من مُفْرحات؟
ـــ كثيرة، أوّلها الهواء وآخرها الهواء وبينهما استعداد الآخرين لتقديرك أكثر ممّا تستحقّ.
ـــ والطعام والشراب والصحبة...
ـــ ... واللهو والحلم والأيّام المتثائبة في رتابة الأمان.
ـــ رتابة!؟
ـــ تصبح منتهى الطموح.
 
■ ■ ■
 
ـــ نتابع حياتنا إكراماً لصور البداية. تكاوين المَطالع هي الأساس، وما يليها يحاول أن يكون أو أن لا يكون خيانة لها.
ـــ شيءٌ من هذا، ولكنْ ليس حتماً ولا دائماً، فأحياناً نتابع حياتنا إدماناً أو تطلّعاً إلى مجاهل.
ـــ ونصادف مجاهل؟
ـــ نصادف ما نحسبه مجاهل.
ـــ أليس كل هذا لَغْواً؟
ـــ بالطبع.
ـــ وماذا عن الصمت؟
ـــ صمتُ الرجل مخيف.
ـــ والمرأة؟
ـــ يجلس صَمْتُها أمام جسدها كما يجلس أبو الهول أمام أبواب الآلهة.

■ ■ ■
 
ـــ سنكتب ما حكيناه؟ وماذا نكتب بعده؟
ـــ نكتم سرّاً آخر.


أنسي الحاج

18 May, 2011

ترمي بشرر


رواية طويلة؛ طويلة؛ ثقيلة الوزن ثقيلة الكلماتِ ثقيلة على الرّوح .. للكاتب السعودي "عبده خال"


لو أنَّك في حالة انعدام وزن؛ تكره الدّنيا وتحتقر البشر؛ ربما ستعينك هذه الرواية على الانغماس بحالتك أكثر؛ وربّما تقوم بإخراجك من حالتك عندما تعرف أنَّ حالَك أهونُ من حالِ غيرك؛ بينما لو كنت من النوع الرقيق الهشّ الذي يتأثر بكلمة ويبكي لها أيَّامًا وليالي، فلا أنصحك أنْ تقرأ الرواية أصلا؛ لأنّك ستصاب بالاكتئاب وربّما تستيقظ فزعًا من نومك كي تتأكّد أنّك في بيتِك لا بيتِ الأمير؛ حيث مبدأ القصّة ومنتهاها.


"طارق" .. اسم جميل لشابّ أراد الخروج من فقر حارته التي نشأ بها في إحدى ضواحي جدّة؛ فشاء له سوء حظّه؛ وقدره العاثر؛ أن يعمل في قصر الأمير، الذي لا يعرف أحدٌ اسمه؛ لا يجرؤ أحد على نطقه، الكلّ يشير إليه بـ "السيّد"..
السيّد الكبير توفّي؛ وجاء بعده ابنه؛ السيّد العابث..

في كلّ أرجاء الرواية تفوح رائحة الأموال المحرّمة، والمتعة المحرّمة، والتقزّز الواجب.. ترميك من أعلى مصافّ الإنسانية إلى أقعى قيعان الانحطاط البشريّ، تصوّر ما يمكن أنْ يصل إليه الإنسان إذا نزعتَ عنْه الضّمير تمامًا، منحته النفوذ المطلق والقوّة والمال والسلطة والجاه، ثمّ لم ترسِل أحدًا ليحاسبَه..!

مهنة "طارق" في القصر كانت محدّدة منذ اليوم الأول، ستقوم بهتك عرض منْ يغضب عليه "السيّد". عندما يريد "السيد" أنْ يمنح أحدًا درسًا أو يكسر عينه أو يريه من الأقوى، يرسل له "طارق"، فيقوم بمهمّته القميئة أمام أعين "السيّد" الظافرة.
في القصر، كُلُّ شيءٍ مُسَجَّل، كُلّ همسة، كُلّ حركة، كُلِّ انتهاك، حتى وصل الأمر إلى بيوت من يعملون به أيضًا، كُلّ شيء مسجّل، وهذا أوّل بند غير مكتوب في لعبة الحقارة والخسّة، "سيكون لديّ ما يدينك ويذلّك ويذهب بك خلف كوكبنا هذا فعليك أنْ تكون صاغرًا على الدوام.."

"تهاني"؛ حُبّ طارق الأوّل والأخير، وكما يقول عنها أنّها الطّهر الوحيد في حياته المليئة بالقذارة، الطهر الوحيد، قام بتدنيسه في ليلةٍ مشؤومة كانت سببًا في أنْ يقتلها أبوها ويداريها التراب. ولا تعرف أمّها ذلك إلا بعد عشرين عامًا منْ مقتلها.

"تهاني" .. الصبيّة اليافعة التي أحبَّتْ شيطانًا في جسدِ إنْسان. ومنحتْه كُلَّها ذاتَ ضعْفٍ فكان ضريبة ذلك أنْ تمنح روحَها. وتصمِت للأبد.

ونساءُ القصر نوعان؛
زوجة السيّد وبناته وأمّه، أو بلفظ آخر، الأميرات، وخادماتهنّ. والنوع الثاني: نساء المتعة، وهنّ كُثْرْ .. واللواتي أصبح إعطاؤهنّ أموالهنّ وظيفةً أخرى لـ "طارق"..
الهاربات من بيوتهنّ، المطلقات في سنّ صغيرة والمتزوجات قهرًا وزوجاتٍ للمبادلة أو عِوضًا عنْ مال غير موجود!

بينما الذكور هناك نوعٌ واحد؛ تتبرأ منهم السماء وتلعنهم الأرض.

يقول "طارق" بعد أنْ تزوجت أمّه بعد فترة قصيرة من وفاة أبيه: " يبدو أنَّ المرأة تمنحك الجسد للمتعة، وتضنّ بقلبها عليك، تبقيه نابضًا حيًا، لتوفر مشاعرها الفياضة وتسكبها على أبنائها، هذا في المجمل، أما أمي فذكرياتي معها مشوشة، وكلما اكتشفت شيئا من سيرتها، عدت أنقّب في ذلك التشويش عما ينفي أو يثبت صحة المقولات التي تصلني"
ويقول في أثناء فِكْرة: "تكون إنسانيًا مع المرأة عندما لا يكون لك مغنمًا بها، أما إذا تحركت شهوتك نحو جسدها، فكلّ فعل إنساني تقدمه لها إنما هو إجادة متقنة للفخ المعدّ لاصطياد جسدها..."


شعرتُ بانقطاع السرد أحيانًا في الرواية، كأنّي أعرف أنّ الكاتب هنا قد أخذ عطلة، ثم عاد ليكملها فيما بعد، وهو أمر منتشر في الروايات السعودية عمومًا، ولا أدري لماذا، وهذا ليس رأيي وحدي على أيَّة حال.


كما أنَّ الرواية ليست من عالَمِ الخيال؛ بعض السعوديين ومن عاشوا في السعودية يؤكدون واقعيتها، لذلك عليك – بعد أن تنتهي الرواية – أنْ تُعيد وضوءك، تغسل روحَكَ بالحبيب ثلاثًا، ثمّ لا تحاول التفكير كثيرًا في أنَّ هناك بشرٌ مثل "طارق" و"السيّد" .. يمشون على الأرض!


أخيرًا؛ يمكنني القول بِكُلِّ ثقة: اكتب في روايتِك عن الشذوذ والجنس والجنس، ودُسَّ بعض الحَكَايا؛ وستضمن جائزةً ما!