22 April, 2011

أطوار

مزاجي كأطوار نموّ الحشرات، متقلّب، وعلى العكس منْ حشرة! لا يمكن التنبؤ بعواقب تطوّر الأوّل.

كنتُ أفكّر/أصمّم: لن أتزوّج قبل أن أسافر وحدي، بمالي الخاصّ، وأزور صديقاتي في بلاد أخرى، دون رفيق سفر، لأعرف – حين أتزوج – أنني تزوجتُ رجلا بنيّة خالصةٍ لوجهه الكريم، وأنّ هذا الرجل سيسكن قلبي قبل جواز سفري، وأنني سأسافر معه لأنني أحِبُّ رفقته لا لأنّه يتحتّم عليّ ذلك!

أنا أمَلُّ سريعًا لذلك لا تحاول أن تأخذ من وقتي أكثر من بهجة، لو أطلتَ كثيرًا ستجدني أخرى لن تُحِبّ رؤيتها، وربما لا تطيق بقاءكما معًا في مكان واحد.

أنا أمَلُّ سريعًا فأقبِلْ عليّ بابتسامة صبوح على شفتيك كعاشقٍ سريّ لامرأة متزوّجة طاعنة في الخيانة؛ أو كزوجٍ ولهان لا يرى من النّساء سوى حبيبته الصمّاء باهرة الجمال، يدخل عليها كلَّ يوم حاملا باقة الورد التي يجمعها كلّ صباح!

كلّ صباح.. ابتسامة مشرقة، وورد طازج أملًا في أن تنطق اسمه ذات يأس؛ يعرف أنَّ كلّ النساء تسمعنه سواها، ولا يريد أن يتحدث – رغم ذلك – إلا معها..

تُمسِكُ بكلتا يديه تحنانًا؛ بينما يحادثها تبتسم له فتُفَتَّح له أبواب الجَنَّة، قال الأطباء أنّها يمكن أن تتحدث يومًا ما، لا شيء مؤكد، قالوا له أنَّ المعجزة قد لا تحدث أبدًا.

لكنَّه مؤمنٌ جدًا !

11 April, 2011

لا أريده رجلا

لأنّ كل تعاريف الرّجال التي رأيتُها في التطبيق تختلف تمامًا عن التّعاريف التي آمنتُ بها وصدّقتُ عليها، انسحبتُ من صالة وصولهم، وبقيتُ في غرفةٍ فسيحة للاستراحة مملوءةً بالكتب والموسيقى التي تُمْتِعُ عيني وسمعي. يدخلها ضوء الشّمْسِ كُلَّ يوم فيجدّد هواءها ويزيح عن كاهلها الظَّلام. وجدتُ أخريات.. كثيرات يقرأن ويكتبن ويرقصن بتناغم جعلني أحِبُّ المكان وأندم ألَّم آتيه منذ زَمَنْ.

ما رأيتُه في الصالة جعلني أقرّر عدم الرّجوع إليها، جعلني متأكدةً بحتمية وجود مكانٍ آخر، يأتي منه قَدَرٌ أكثر لُطْفًا وعَطْفًا من هذا المكان.

كُلَّما وَصَل أحدهم أخذ بيد امرأة يجُرّها جرًا، أو بطرْفِ ثوبِها، أو سبقها ثمّ نادى عليها باحتقار.

في صالتي أنا، أنتظر فارسي أنا، بقوانيني أنا؛ على يقين أنّه سيأتي خفيفًا كنسمة، ثابتًا كمحارب قديم، مهذّبٌ لأنّه مهذّب لا لأنّه في مكان عام. ينظُر لي نظرة تجعلني أتمنّى أن أقترب منه أكثر لأعرف ما كُتِب فيها.

فارسي أنا، بأخلاق الفروسية التي أعرفها أنا، والتي يعرفها هو، والتي لا يعرفها عامّة الناس!

فارسي معتنقٌ القول القائل:


" أملكُ أن أقتلَ
لكني أختارُ العفو
والسَكَنْ" *

فارسي لا يعرفُ الكَذِب.

يكره كلَّ نساء العالَم عداي، فأعرف عندما تمرّ امرأة جميلة أنَّه لن ينظر إليها وإنْ كان يتحدث إليها وعينيه بعينيها، لأنني أعلم جيّدًا أنَّ النساء جميعهن لديه لا يعنين أكثر من قطع القماش الجميل. وهو لا يتظاهر بذلك فقط أمامي ليتجنّب إثارة غيرتي، بل لأنّ هذه عقيدته التي لا يستطيع منها فكاكًا!

بديهيٌّ إذنْ أنّ مزحة الزواج الثاني هي أسخف مزحة مرّت به!

فارسي مؤمن، لا أسأل سؤالا إلا وجدتُ لديه إجابة مطَمْئِنَة، هو ملاكي الذي يبطش بشيطاني حين يصحو ذلك الأخير، ويحتضنني عندما أبكي خوفًا من نار جهنّم وعذاب القبر! ويُخبِرني بأدلّة من القرءان والسنّة أنّني بخير وأنّ خوفي لا داعي له. سيقول محاولا التخفيف عنّي أنَّه سيفديني! وأضحك، وأنسى سبب بكائي!

فارسي نبيل.. لا يمنّ ولا يؤذي.

لا يجامِلني بـ "آسف" لأنّه عندما يخطِئ سأعرف أنَّه لم يقصد.. **

فارسي عقلاني متمدّن جدًا، مثقف، يناقشني في كلّ شيء، فأنا أفضل أصدقاءه في المطلق؛ يذهب معي إلى كُلِّ الأماكن ولا يستحي منْ تقديمي لأصدقائه كما لا أستحي من تقديمه لصديقاتي.
فارسي منغلق متحجّر رجعي يُحِبّني حبًا أوليًا يصل حدّ الجنون لكنَّه لا يُذِلّ نفسه لأجلي، فيكون ندًّا رحيمًا وصديقًا لدودًا..
فارسي؛ يتبنّى الذي يقول:"لك حق تزعل ومن ثمّ لك حق نرضيك"*** وإن كان أمام النَّاس، فارسي ليست لديه تلك النزعة التي تدفعه لإثبات رجولته أمام الجميع بالإنقاص من قدْرِ النّساء متمثّلة فيّ!

فارسي هذا، لنْ يأخذ مكانه رَجلٌ أبدًا.


_ _ _ _
* سارة عبد الناصر
** ما في داعي – محمد عبده
*** لك حق تزعل – محمد عبده

27 March, 2011

ومن أحياها



من الأسئلة التي كانت تثير حيرتي واستغرابي جدًا، حرمة الانتحار، ماذا لو أنَّ أحدهم كره حياته، يمكن لأحدهم أن يكره حياته لأكثر من أن تتركه حبيبته أو يخسر وظيفته .. هذه أسباب واهية حقًا أمام من يقوم بالانتحار.


ماذا لو أنّ إحداهنّ ولدت ثم توفيّ أبوها بحادث بشع أمام عينيها ثم تزوجت أمها رجلا بلا أخلاق كان ينتهك عرضها ثم فقدت بصرها مثلا وسمعها وأصابها السرطان ! هذا ليس أسوأ سيناريو يمكن أن أتخيله .. لا أريد أن أتخيّل أسوأ لأنني مهما تخيّلت، فلن أكون كمن يعيش الموقف وتداعياته يومًا بيوم..


كنتُ أقول أنني لم أكن أفهم لماذا يَحْرُم على من مِثْلِ هذه ظروفها أن تنتحر .. لماذا يتم التوعّد لمن ينهي حياته المزرية بحياة أكثر إزراء في الآخرة؟


ثم قرأتُ عن الرافعي أنَّه يقول: أنّ المنتحر بفعله وكأنّه يقول لله: "أنت عاجز".. وتخيّلتُ للمرّة الأولى غضب الله.. كانوا يقولون لنا في المدرسة أنَّ الله يضحك ويفرح ويغضب.. وكان مثال الرجل التائه في الصحراء هو جُلَّ ما يوضّح لنا تشبيهًا لفرحة الله بتوبة عبده.
لكنّني لم أفهم كل ذلك إلا عندما قرأتُ مقولة الرافعي.. وسَرَت بجسدي رجفة خوف، هل فعلتُ شيئًا يجعله غاضبًا عليّ كغضبه على مثل هذا الذي يسبّ الله في وجهه باتّهامه بالعجز؟ أرجو أنْ: لا.. وألفُ أرجو أنْ: لنْ.


ثم بدأتُ أسأل الأصدقاء، ترى لماذا الانتحار حرام؟


لأجد الرافعي، مرّة أخرى، يقول:"وحَرِيٌّ بمن يوقن أنَّه لم يولد بذاته، ألّا يشكّ في أنَّه لم يولَد لذاته." .. فكيف تقتُل شيئًا ليس من حقّك التصرّف فيه؟


هذه الرُّوح التي بين جنبيك، والتي عليك أن تعتني بها جيّدًا، وتحافظ عليها، مهما حدث لك، ولها، لا يمكنك أن تنهي عقدك معها، لأنَّك، وإنْ هُيِءَ لك أنَّك لم توقّع عقدًا في البدء يقضي بحفاظك عليها، فأنتَ في الحقيقة قد فعلتَ، منذ زمن بعيد، وفي ظروف لا يمكن لعقلك القاصر أنْ يعْقِلَها " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ"..


تقول صديقتي الأمريكية - حديثة العهد بالإسلام - عندما صارحتُها بأفكاري، "نحن عباد، علينا أن نطيع، كما نذهب للعمل أحيانًا مستائين وأحيانًا عن حبّ، لكننا في الحالتين نذهب... ماذا لو قلنا لربّ العمل كلّ يوم: لن آتِ اليوم؟"..


أخيرًا، سألني أحدهم – كشخص يدافع طول الخطّ عن الثورات وأهلها - : ماحُكْم ما فعله "بو عزيزي"؟ فقلتُ له: حقًا، لا أدري.. فليرحمْه الله..


20 March, 2011

العهد الجديد

بيننا من المشانق والحرائق والموتِ أكثر بكثير من عهود السلام المحتمَلة، بيننا وطنٌ مشترَك وحروب متشابهة وجثث على قارعة الطريق، بيننا أفئدة وثمّة تساؤلات لم نعد نطرحها. بيننا لا توجد همزات وصل يا صديقي يمكن الاتكاء عليها.

قال لي احتفالا بذكرى وداعنا: اشتقت إليكِ.

وأجبتُه: بهذه المناسبة دعني أمنحك قصيدة وليدة، كتبتها إبَّان حربِكَ الأخيرة على ذلك الذي كان بيننا.
قال: تعنين حبّنا، تستحين – بعدُ – أن تقوليها؟
- بل يستحي الحبّ منا يا صديقي، تركناه وليدًا في طريق مهجورة، ومضى كلّ منا في اتجاه غير عابئ بما قد يحدث له.
- تعلمين جيّدًا لماذا.
- وأحبّ أن أتناسى في كلّ مرة أنَّ الحُبّ فرضية أكبر منّا.. أنّه طفل قابل للتبني دائمًا، قبل أن يظهر والداه فجأة يطالبان باسترجاعه.

دعاني لمشاركتِه التدخين.

فقلت له: بعدك يا صديقي امتنعتُ عن إطفاء حرائق كنت قبلك لا أخشى إشعالها ولا يهمّني كيف يتمّ إخمادها. خضتُ عدّة قلوب تشبه قلبك، فكانت خساراتي فادحة.. كسَبِيَّة يُفتَرَض بها أن تكون أميرة متوّجة..
بعد قلبِك أصبحتُ عاجزة حتى عن إشعال سيجارة!
قال: كُفّي عن حواراتك المتحذلقة هذه وتعالي هنا، وقَرَن حديثه بالفعل – لطالما كان رَجُلَ أفاعيل !-، وتضحك برضا – ككل مرة أقولها لك – في كلّ مرة وكأنّك تسمعها للمرة الأولى! يا للغرور ! يا للرجال! سأكفّ حالا عن الهرطقة، سأهبط للواقع وأدخل في عالمِك.

أدَعُكَ تُقَبّلني وتضمني إليك، يغمرني عطرك ويزيدني ذراعك الملتفّ حولي دفئًا فيبدو كلّ فراغ الزمن الذي كان بيننا  لوهلة غير مفهوم، وأتساءل عن الوالدين اللذان استرجعا طفلنا وتخونني الذاكرة.

 تضع سيجارتك بين شفاهي برفق. أريد أن أقول لك: يا للقَتْلِ الرَّحيم. لكنّني أتراجع لكي لا أفسد اللحظة. أكتفي بالبقاء ملامسة لك مستمتعة بتفاصيلك المحببة، أخلع قميصي ذا الأكمام وأبقى بكنزة بلا أكمام تتيح لي الاقتراب فيك أكثر. لا أقاوم ذكرى ماضٍ انهمر كمطرٍ لم أتهيّأ للبلل الذي سيصيبني بسببه.

26 February, 2011

Perfect Couples

مسلسل جديد أتابعه هذه الأيّام، يتحدث عن العلاقات بين الأزواج. صدر من المسلسل سبع حلقات في موسمه الأوّل..
من اسمه يمكنك معرفة ما يتحدث عنه المسلسل، الأبطال ثلاثة من الأزواج، تركّز القصة على ردّ فعل كلّ منهم بخصوص موقف/حدث معيّن، الفكرة العظمى التي يريدون إيصالها أنَّ التوافق بين الشخصين هو الذي يجعلهما "مثاليين" لبعضهما، أنّ كلّ قمة في طرف عليها أن توافق قاعًا في الطرف الآخر كي يتم تتلاحم الموجات بشكل مثالي. 
فبينما نرى "ديف" و"جوليا" ثنائيًا تبدو فيه المرأة بشخصية قويّة مستقلة عن زوجها تمامًا وإن كانت تحترمه وتحبّه، نجد أنّ الحبّ بينهما بطعم خال تمامًا من الفكرة القديمة عن رجل الكهف والمرأة المحتاجة لظلّ الرجل.. يكون "ريكس" و"لي" على العكس، فالمرأة تحبّ لعب دور الأنثى التي تترك لزوجها المهام البسيطة/الصعبة، الأمور التي تستطيع أن تقوم بها المرأة بنفسها لكنّها طبقًا لقوانين "عصر الكهف" -إن صحّ التعبير- لا تفعلها، بل تتركها له ويحبّ هو ذلك جدًا.. وأما الثنائي الأخير"فينس"وإيمي" فإنّ علاقتهما خاصّة لم تتعدّ مرحلة المراهقة بشكل ما، يخافان بنفس القدر! ولا يوجد بينهما "رجل كهف" !

من ناحية أخرى، "ريكس" و"لي" يمثّلان الزوج الأكثر تفاهمًا والأكثر انفتاحًا كلّ منهما على عالم الآخر، ففي أحد المواقف نجد "لي" تضبط زوجها ينظر إلى نهد امرأة، فتقول له:"إنّه مجرد نهد، انظر إليه ولا تجعله يؤثر عليك" .. ويفعل الزوج ذلك.. !

"فينس" و"إيمي" الزوجان المجنونان، بمناسبة وبدون مناسبة يقومان بإنهاء علاقتهما، ومن ثمّ الرجوع مرة أخرى، ثم ينهيانها وهكذا.. لا يمكن القول أنّه الحبّ العنيف لأنهما متوافقان غالبًا.. وما أن تحدث مشكلة حتى تتصاعد حدّة النبرات بينهما ويتفارقان ساعات ثمّ يعود أحدهما للآخر رافعًا رايات الاستسلام.
تبقى لنا "ديف" و"جوليا" الذين يمكن القول أنّهم زوج "عادي" جدًا.. يميلان للتعقّل في حواراتهما، ويأخذان الحياة بواقعية تليق بهما.
المسلسل مسلّ فعلا ..

24 February, 2011

يا خادم الحرمين .. أوامركم ليست طموحاتنا

انطلاقًا من كوننا جميعًا إخوة في الوطن العربي الكبير.. ولأنَّ مدونة الصديق "فهد الحازمي" "سم ون" تعرضت لهجوم إثر نشره للموضوع الأخير "يا خادم الحرمين .. أوامركم ليست طموحاتنا".. أنشر مقاله هنا..

أمس الأربعاء سعد الجميع بعودة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بالعافية والسلامة من رحلة علاجية طويلة.. وقد صادف تاريخ عودته مع قيام الثورات العربية الشعبية بما أعاد فتح الملف الإصلاحي داخل وطننا.. فالجميع توقع أن يعود أبو متعب بحزمة (مفاجآت) إصلاحية ينير بها مستقبل الوطن لأن الجميع يؤمن أن الملك عبد الله هو الأقدر على طرح هذه الإصلاحات خصوصاً في وقت حساس كهذا..
كانت طبيعة النقاشات في تويتر (#SaudiMataleb) تتركز حول توقعاتنا عما سيصدر من قرارات بعد عودة الملك ، وكنت ضمن من توقعوا انفراجاً في باب الإصلاحات الداخلية في البلد ، كما وصلت لدرجة من الحسم إلى أن القرارات ستكون جذرية هذه المرة ولن تعالج المظاهر بشكل سطحي. توقعت هذا لأسباب كثيرة منها أن هذه اللحظة هي لحظة تاريخية ونادرة في تاريخ الشعوب العربية وهناك رغبة شديدة لاستلهامها وانتقالها من بلد لبلد أو تحولها لفزاعة تسرع من الإصلاحات الجذرية فيمكن من خلال هذه الإصلاحات المرتقبة تجنب هذه العاصفة وتحقيق المطالب، والسبب الثاني هو اتجاه البلد إلى نقطة تتفاقم فيها الملفات الشائكة يوماً بعد يوم ولاندري كيف ستكون نهايتها، فعلى سبيل المثال نشر البنك السعودي الفرنسي قبل أيام تقريراً يؤكد فيه مأزق العمالة في السعودية، وكانت النسب والأرقام مخيفة بحق، حيث كل المؤشرات تدل دلالة واضحة على اتجاه الأزمة للتفاقم والتصعيد.. دعك من العودة المرتقبة لعشرات الآلاف من الطلاب المبتعثين بشهادات محترمة وما ستسببه من  مزيد ترهل في سوق العمل، وبالتالي مزيد من البطالة، إضافة إلى ملف أزمة العقارات والإسكان وغيرها من المشاكل والمعاناة التي تمس كل بيت سعودي. والسبب الثالث هو أن أي إصلاحات سياسية في هذا الوقت سيكون لها قاعدة شعبية واسعة مؤيدة خصوصا من الشباب -تأثراً بالثورات المجاورة- وسيكون هذا محفزاً قوياً وحجة حاسمة لبعض الأجنحة الإصلاحية داخل مؤسسة صناعة القرار. والسبب الرابع هو الضغوط الدولية والتي بلا شك تحث على الإسراع في عملية الإصلاحات الداخلية تجنباً للاحتقان المستقبلي. والسبب الخامس هو المستقبل السياسي الغامض داخل مؤسسة الحكم، الأمر الذي لا يخفى على مواطن والذي يجعل من مطالب الإصلاح أكثر حتمية… إلى غيرها من الأسباب الكثيرة..
ولكن سرعان ما تلاشت كل تلك الآمال لكي أُصاب بالإحباط الشديد جراء ما شاهدته من قرارات، حيث أنها -وعلى الرغم من كونها لم تحتو على قرار إصلاحي واحد – لم تعالج ملفي البطالة والإسكان بتلك الفعالية التي تقتلع المشكلة، ومن الواضح أن الأزمة ستتفاقم في الأيام القادمة.
ولكن.. الجديد في هذه المرة، هو حجم رفض الشباب لهذه (المكرمات) وإجماعهم على بعدها عن طموحاتهم، وصادف هذا الرفض خروج خطابين حصلت على شعبية واسعة في الشبكات الاجتماعية ، الخطاب الأول هو (نحو دولة الحقوق والمؤسسات) والذي وقعت عليه مجموعة كبيرة من الشخصيات الوجيهة والشابة في المجتمع، وأما الخطاب الثاني فكان خطاب شباب ٢٣ فبراير – كما يحلو لهم ان يسموه – وقد كان متواضعاً (جداً) مقارنة بالخطاب الأول.
لايمكن تفسير شعبية الخطابين بين الشباب وتأييدها، إلا بأنها فعلاً مست الآمال المنتظرة وجسدتها، وهذا الشيء هو ما يغيب على مؤسسة صناعة القرار. حيث ما زال صناع القرار في بلادي يعتقدون أن هذه المطالب هي مطالب نخبوية فقط، وأن الشعب إما انه لايؤمن بها، أو أنه أجبن من الإعلان عن إيمانه بها، أو أنه “ما عندك أحد” من الأساس و “كلن يطرد ورا لقمة عيشه” ولا همه إصلاح ولا رأي.. او أي اعتقاد آخر.
هناك فجوة حقيقية بين من يصنعون القرارات وبين الشباب السعودي، سواء كانت فجوة عُمرية أو فجوة في الفهم. فالفجوة العمرية تبدو واسعة جداً بمقارنة بتلك التي كانت في أول مجلس وزراء سعودي حيث كان مجلس شبابي بمعنى الكلمة، والفجوة في الفهم تبدو واضحة جداً من خلال لغة القرارات الملكية التي اعتادت على النمط القديم وهو ضخ المليارات تلو المليارات ليكون الشعب سعيداً ويعيش رغيداً بدون أن يطالب بحقوقه المشروعة.
أعتقد أن المهمة المشروعة حاليا هي توضيح عمق هذه الفجوة أولا، ثم ردمها…  حتى نبين لهم أننا فعلاً شباب مختلف تماماً عما يتصورون، يتحدث لغة مختلفة تماماً عما يعتقدون، لايريد المكرمات، ولايريد الهبات، بل يريد الإصلاحات الداخلية، ويريد المشاركة الفعلية، ويريد المساهمة في البناء.
كلنا يعرف أن القرارات التي سمعناها بالأمس -خصوصاً المتعلقة بالبطالة والإسكان- ستفقد فاعليتها لسبب واحد، هو أن المنظومة نفسها سوف تعيد إنتاج الفساد وأللا فاعلية، وسوف تبدد هذه الثروات يميناً وشمالاً بغض النظر عن مدى (نزاهة) القائمين عليها. فلا يمكن إذن أن نبدأ بإصلاح حقيقي وجذري إلا بإصلاح المنظومة نفسها وإعادة ترتيبها بما جرت عليه أمم الأرض التي سبقتنا في ذلك، ولسنا بدعاً منهم.
ولذلك.. يجب وابتداءً من اليوم، أن نصطحب هذه المطالب معنا، ونعلنها في كل مكان حتى تكون شعاراً لنا، ونرفع بها أصواتنا حتى يسمعنا من حولنا :
1. أن يكون مجلس الشورى منتخباً بكامل أعضائه، و أن تكون له الصلاحية الكاملة في سنّ الأنظمة و الرقابة على الجهات التنفيذية بما في ذلك الرقابة على المال العام، و له حق مساءلة رئيس الوزراء و وزرائه.
2. فصل رئاسة الوزراء عن الملك على أن يحظى رئيس مجلس الوزراء و وزارته بتزكية الملك وبثقة مجلس الشورى.
3. العمل على إصلاح القضاء وتطويره ومنحه الاستقلالية التامة، وزيادة عدد القضاة بما يتناسب مع ارتفاع عدد السكان وما يترتب على ذلك من كثرة القضايا.
4. محاربةُ الفساد المالي و الإداري بكل صرامة و منع استغلال النفوذ أياً كان مصدره و مقاومة الإثراء غير المشروع و تفعيلُ هيئة مكافحة الفساد لتقوم بواجبها في الكشف عن الفساد و مساءلةُ من يقع منه ذلك و إحالته إلى القضاء.
5. الإسراع بحلّ مشكلات الشباب و وضع الحلول الجذرية للقضاء على البطالة و توفير المساكن لتتحقق لهم بذلك الحياة الكريمة.
6. تشجيع إنشاء مؤسسات المجتمع المدني و النقابات و إزالة كافة العوائق التنظيمية التي تحول دون قيامها.
7. إطلاق حرية التعبير المسؤولة وفتح باب المشاركة العامة وإبداء الرأي، وتعديل أنظمة المطبوعات ولوائح النشر.
8. المبادرة إلى الإفراج عن مساجين الرأي و عن كل من انتهت محكوميته أو لم يصدر بحقه حكم قضائي دون تأخير. و تفعيل ” الأنظمة العدلية” بما فيها ” نظام الإجراءات الجزائية” و التزام الأجهزة الأمنية و “المباحث العامة” بتلك الأنظمة في الايقاف و التحقيق و السجن و المحاكمة و تمكين السجناء من اختيار محامين للدفاع عنهم و تيسير الاتصال بهم و محاكمتهم محاكمة علنية حسب ما نصت عليه تلك الأنظمة.
..
مع توفر هذه المطالب، سوف نضمن أن قرارات كالتي أصدرت اليوم ستكون نقلة نوعية في الحياة المعيشية لكل مواطن، وسنضمن تماماً أن تصل كل هللة، إلى المستحقين من غير يد طائشة تلعب بها ذات اليمين وذات الشمال -كما هو حاصل من قديم الزمن وسيحصل مع هذه القرارات-..
ومع توفر هذه المطالب كذلك سوف نضمن أن البيئة مناسبة للبدء الفوري في حل مشكلة البطالة التي تؤرق كل مسؤول.. وحل مشكلة الإسكان.. وجميع المشاكل التي أرقتنا لسنوات طويلة..
ومع توفر هذه المطالب كذلك سوف ندرك أننا لن نحتاج لإرسال البعثات إلى الخارج لأن تعليمنا سيكون قوياً ومحفزاً للإبداع وجامعاتنا ستكون قادرة على تخريج الكفاءات والقوى البشرية التي ستلج السوق العاملة بكل عزم واقتدار..
ومع توفر هذه المطالب كذلك سوف يشعر كل مواطن وأجنبي -مهما كان عادياً- بكرامته داخل بلده مادام أنه قادر على محاكمة كل من يهينه سواء كان مواطناً أو مسؤولاً وسيأخذ حقه منه حسب ما تقتضيه العدالة..
ومع توفر هذه المطالب كذلك ستضمن المرأة عيشة كريمة تحترم كيانها و وجودها وتضمن لها ممارسة حقوقها المقررة بدون تعسف ولا وصاية..
وأخيراً لعلكم تلاحظون أن المطالب أعلاه نفسها المطالب الواردة في خطاب (نحو دولة حقوق ومؤسسات) ، وفي الواقع فإن الأربعة نقاط الأولى تحمل مضامين ما يسمى بالملكية الدستورية -المصطلح الذي يجب أن نحفظه جيداً- … وأنا أثق ثقة تامة أن صانع القرار يدرك هذه المطالب ولكنه بعد لم يدرك شعبيتها بين الشباب … شباب الانترنت!

19 February, 2011

عن الجَمال


يغمرنا الجمال بحدود ما يستطيع. متدفّق لكنّه لا يتدفّق لظامئ واحد. ولو أراد أن يوهَب لمالك واحد لما استطاع. إنّه أسيرُ إشعاعه كما أنت أسير جدرانك. جوعك إليه أعظم من ولائه لك. انعطافه عليك يظلّ يتماوج بين نعمة وحسرة. الجمال الخالي من تناوب هذين الوجهين جمالٌ مشبوه. الحبّ الخالي من ألم الطمع بالمزيد، حبٌّ صغير.
الكاتدرائيّات والتماثيل الضخمة والقصور المنيفة ونجوم الفلك وصَخَب البحر وشسوع الغابات، جمالٌ يَسْحَق. يمكن أن يصبح مصدر إلهام، لكنّه نادراً ما يؤاخي ويصير صديقاً حميماً، ونادراً أكثر أن يغدو حبيباً. الجمال الحبيب يركّعك وهو يعتذر. يُخشّعك ويخشع معك. يبعث فيك الانسحار به ورغبة حمايته.
الجمال الحبيب يرعشك كعصفور في العاصفة، وهو نفسه عصفورٌ في العاصفة.
■ ■ ■
بين جمال يؤنّب ضميرك وآخر يُعفيك من ضميرك، أيّهما تختار؟
■ ■ ■
تتمنّى لو لم تصادف جمالاً يسكنك. لكنتَ حافظتَ على قسوة ظافرة. لما كان تسرّب إليك الضوء الذي يجوّع إلى مستحيله. لما كنت تَعلّقتَ بما يُدمِّر فيك ما كان فيك يُدمِّر. ملاكُ الإنقاذ لطالما استبطن غزاةَ احتلال.
■ ■ ■
يشرق الجمال من وراء حجاب. ظهوره يفاجئ كالهديّة، والمفاجأة الغامرة محبوبة دائماً. بعض الجمال يزداد رونقاً عندما يطلّ من مخبئه، كالقمر من الغيم، لكن الجمال السافر كذلك محجَّبٌ بنوع مختلف من النقاب هو نوره. كلّما نظرتَ إلى وجه جميل شعرتَ بأنّك الآن شرعتَ في رؤيته. تأمّلْ تَعجُّبَ الجميل لكلامك وأنت تتغنّى به. يخاف الجميل أن تملّه، أن يكون إعجابك كذباً أو انخداعاً، لأنّه لا يثق بسرّه. الجميل الحقّ معقّد بنقصه وباحثٌ بلا قرار عن الكمال. وهذا يَضاعف تأثيره. الجمال مَلِكٌ غير هانئ على عرشه، وهذا يضاعف تعلّقنا به.



أنسي الحاج

15 February, 2011

انـطـفاء



يقول إبراهيم الكوني:" الخيانة: هي ما لاتغفره المرأة للرجل؛ والإهانة: هي ما لا يغفره الرجل للرجل"*

وأقول: الخيانة تُطفئ الإنسان.
الخيانة هي ما لا تغفره المرأة للمرأة، والخيانة هي ما لا يغفره الرجل للمرأة.

تأثير الخيانة أشبه بإلقاء المرء في تجربة لا نهائية للعبة السفينة التي كنّا نلعبها في الملاهي ونحن صغار، شعوره يكون أشبه بما نشعر به في أثناء هبوط السفينة أو صعودها، قلوبنا تسقط في أمعائنا عندما تهبط، وأرواحنا يتم انتشالها أثناء الصعود، في الأحوال العادية تكون اللعبة ممتعة، شعور الغثيان مؤقت، ونعرف أنّ ذلك الشعور سيختفي بمجرّد استمرار اللعبة في الحركة ومن ثمّ توقّفها أخيرًا لنتحدث عن ذلك بحماس للرّفاق!

في الخيانة يصبح الشّعور أكثر غورًا، شعور الغثيان أكثر قُرْبًا ووضوحًا، دوّار الحقيقة أشدّ إيلامًا ومع الوقت يصبح أكثر التصاقًا، تظنّ أنّك في أسوأ الأحوال ستتقيّأ لتعود أجهزتك إلى عملها الطبيعي، تتمنى وقتها لو وجدت العامِل الذي تقول له أن يُوقِفَ اللعب، تصيح في طيفه الذي لا يسمعك: "يكفي، لا أريد اللعب، سئمتُ مزاحك السخيف" لتتأكد لك الحقيقة/الخيانة أكثر، وتعرف في عقلك البعيد، أنّ آخر زيارة لك لمدينة الملاهي كانت منذ عقود، تحاول التذكّر هل كانت مع إخوتك الصغار كانت أم مع أبناء أخيك الذي طلب منك برجاء أن تأخذ أطفاله لكي يستطيع الخروج مع زوجته في ذكرى زواجهما؟ تتوقف لحظات لتتذكر ملابسات الرحلة، تمضي الكثير من الوقت في محاولة تذكّر تفاصيل لا تعنيك في شيء لعلّك تخفف عن نفسك هول ما تحْمِل، ثمّ ترحل عنك الذاكرة لتجد أنّك كما أنت، عفوًا، لتجد أنّك كما أصبحت، لا تعود تعرف شكلك ولا شكله قبل الخيانة، كيف كانت علاقتكما؟ كيف كنتما سعداء؟ هل حقًا كانت هناك لحظات حلوة؟ وتستفزّك الذاكرة أكثر لكي ترمي بوجهك بعْضَ الجَمَال الذي يقضي قُبْحَ توقيته على البقيّة الباقية من عقلك.

لتسقط أخيرًا فريسة للأدوية المضادة للاكتئاب.



* كتاب "الناموس".
* * هذا لا يعني نفي وجود جُمْلة من الأشياء تسبب الانطفاء لكليهما أيضًا، لكنني أقوم بالاستطراد على جملة الكوني.

13 February, 2011

بنكهة القرفة


قال شيئًا أضحكني ثم همس:"ضحكتك كصوت سكر يذوب".. استرق عقلي بعض ثوان استغلّتها عيناي بتأمّل ربطة عنقه يحاول سماع صوت السكّر الذائب.. يضحك، هو يعرف لأنّه ذكيّ. هو يعرف ويستطيع قراءتي مغلقة الشفتين. حان دوري لأتأملّه ضاحكًا، يرتشف الماء. تختفي الضحكة. يبقى الوجه باسمًا جذّابًا يُمْلِي عليّ خبرًا يقينًا أنّني لا أريد لهذه السهرة أن تنتهي. لا أريد أنْ أفقِدَ هذه الضحكة أبدًا. وأعرف أنّني – بكامل وعيي- أخَبِّئُ عقلي في مكمنه، وأنّني ألفّ الآن قلبي حوله ربطةَ عنقٍ أنيقة.

طالما كنتُ امرأة تضع عقلها وراء قلبِها، تنغمس بقلبها في الحبّ ككعكة بنكهة القرفة بِفي عاشق.. تضع ملامحها بين يَدَيْ الحبيب، وتدسّ أضلعها في جيبه.

تقابله باللهفة وحدها، تخاطبه بالجنون فحسب، تُمهِلُ عقلها في حقيبة يدها وتُهْمِلْها، تسمحُ له متأففة بالخروج مساءً حين تختلي بها نفسُها كَرْهًا. تحاول فرض قيودها كحكومة استبدادية وتتوعده باعتقال إن هو فكّر في إثارة الشغب.

تتركه يئنّ ..

حتى تتكسر فسيفساءات الأضلع من فراغات طوقٍ مثقوب، وتلوّح اليدين الحبيبتين عن ملامحها بعيدًا.

تهرع حينها آسفة، تجرجر أذيال خيبتها، تقدّم كل العهود لمقاطعة كل أنواع الكعك خاصّة ذلك الذي يحمل نكهة القرفة.

تفجؤني بالسؤال: "لِمَ كلّ هذه الحقائب؟ لم أر في حياتي امرأة تملك كل هذا العدد من حقائب اليد!"
 
وأقول لك:"كم هي نفيسة رشوة العقل"
 
ولا أدع لك فرصةً لتجادلني، ستفهم بينما أرشف شفتيك أنّني امرأة مهووسة بحقائب اليد لا أكثر، وأتأكّد أنّنَا بخير، لأنّني لم أزل بَعْدُ أملك قدرتي لقطع حوارٍ لا أحبّ مناوراته معك.
تخبرني بعدها أنّك لا تستطيع تفهّم سرّ رغبة الأنثى في احتفاظها بأسرارها الأنثوية أحيانًا حتى عمّن تحب. وأُخبِرُك، بينما ندخلُ صالة الرّقص، أنّني لا أستطيع تفهّم سرّ رغبتك في الرَّقص في ليلةٍ لم أحضر فيها حقيبة يدي!

11 February, 2011

مـصـر التي في خاطري وفي دمي

مصر التي في خاطري وفي دمي، لم أعرفها قبل 25 يناير.. كنتُ أحلم - ككافة الشباب المصري - بالخروج من هذه البلد والعيش في بلاد الأحلام، كنا نقول "أي داهية برا مصر" .. وكأنّ الجذام الملتصق بهذه البلاد يكفي لرغبتنا في الفرار لأية مكان فقط لأجل أقلّ قدر من الصحّة.
الآن فقط لمستُ مِصْرَ في خاطري وفي دمي.
بلا كثر كلام.. 

مبروك لكل المصريين.. لكل العرب.. لكل الأحرار في العالم.


وعسى القادم أجمل.. بالاجتهاد والعمل والنية الصادقة.

وسقط الطاغية


26 January, 2011

مـصر


طالما كنت أتساءل عن السبب الذي جعل الرسول يقول عن جند مصر أنّهم "خير أجناد الأرض" .. ازداد تساؤلي كثيرًا بعد عمليات التعذيب المؤخرة الكثيرة..

لكنّني ربما فهمت خطأ .. ربما المصريون هم الجند.. هم خير جند الأرض وليس الشرطة المصرية.

منذ الأمس والبلد مشتعلة في مظاهرات، حادة بشكل خاص في السويس تليها القاهرة وبعدها الاسكندرية والمحلة.. تم إغلاق تويتر واليوتيوب ويقال أنّ الفيسبوك أيضًا سيتم حجبه




13 December, 2010

سلطان حبّك

عن العشق، وخشية الذلّ بعد البوح.. وفضح الضعف .. كل ذلك برقة بالغة..

سلطان حبّك ذلّني،
ما ذلّني الكلام به نحكي لك..


ياللي غرامك عَلِّنِي،
ما تمِلّني، لو يوم جيت نشكي لك..


كنت الهوى تاعبني،
وطبع الخجل غالبني
وصعب عليّ، أحكي لك


بان الهوى، من يوم ما عرفتك،
وسمعت قلبي بالمحبّة ينادي.
آه .. اتمنيت روحي من المدينة،
من المدينة أنا خطفتك، ورحلت بيك بعيد..
بعيد .. بعيد.. وسط البوادي.


لكن كلامي غاب، وطبع الخجل غلّاب،
وصعب عليّ أحكي لك..


جسمي سهر ما نام،
سهرت معاه الروح
وعندي كثير كلام،
ما قدرت بيه نبوح..


نخفي هواك ونكتم،
طبع الخجل ما يرحم..
صعب عليّ، نحكي لك..


سلطان حبّك ذلّني،
ما ذلّني الكلام به نحكي لك..


ياللي غرامك عَلِّنِي،
ما تمِلّني، لو يوم جيت نشكي لك..


أمينة فاخت - سلطان حبّك

22 November, 2010

ادّعاء

The greatest obstacle to discovery is not ignorance - it is the illusion of knowledge.

Daniel J. Boorstin 

أكبر عائق أمام الاكتشافات، ليس الجهل، بل ادّعاء المعرفة.

25 October, 2010

وامرأتان

كنت أطالع قناة الفجر الفضائية مصادفة، وعرفتُ أنّها قد خصصت ساعتين من بثّها اليومي لبثّ برامجها باللغة الانجليزية من باب الردّ على الهجوم الذي حدث مؤخرًا، ووجدتُ أنّ الرّجل (ولن أقول الشيخ) بدأ في الحديث للمتحدثين بالانجليزية عن الدَيْن (القرض) ومأكودية كتابته وضرورة توفر الشهود، وهنا نظرت باهتمام لأسمع الحجّة التي سيقولها تبريرًا لجُرْم "رجل واحد وامرأتان"، وأرى كيف سيحسّن صورة الإسلام ويريهم الحجّة النيّرة التي تخرس أيّ واحد يفتح ملفّ المرأة مرة أخرى، فإذا به يستشهد بصورة من قناة السي إن إن بعنوان:"المرأة الحامل تفقد ذاكرتها" ويؤكد على كلام أصحاب الدراسة بأنّها:"هذه دراسة علمية مؤكدة!"، وبطريقة مثيرة للشفقة يناضل للتأكيد على أنّ هذه الدراسة العلمية التي تمت في القرن العشرين هي سبب نزول الآية قبل ما يقرب من ألف عام ونصف!!
أنتَ لم تملك أدلتك الخاصّة لتعرضها، تتحدث عن دينك الخاصّ الذي تريد الدفاع عنه بأدلّة لم يجلبها علماؤك ولا فسّرها عقلاء أهل بلدك!
التساؤل المباشر الذي سيسأله أي سامع لهذا الهراء: "ماذا بشأن غير الحامل؟ ومن لا يمكنها الإنجاب؟ ومن حملت مرة واحدة تتساوى بمن تنجب كثيرًا؟ ... إلخ"!

يقول الأفغاني"أفضل وسيلة لإقناع الغربيين بالإسلام، أن نقنعهم أولا بأننا لسنا مسلمين كما ينبغي"

من الأسئلة التي ألحّت عليّ كثيرًا، لماذا امرأتان ورجل للشهادة؟ لا أؤمن أبدًا بالإجابات الجاهزة، ولا أقول أنني توصلتُ للإجابة تمامًا، لكنني أحاول فكّ رموزها بطريقة أخرى، عقلانية، لا تجعلني أرثي لأحد الطرفين أو آتي على أحدهما. 

الشاهد من الآيات:"واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أنْ تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا .. وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" آية الدَيْن، البقرة:282

دعوني أسأل أولا: من قال أن الحُكْم السابق يعمّم على كل أنواع الشهادة؟ ولماذا لم يتحدد الأمر في الديون/البيوع فقط كما ذُكِرَ في الآيات؟ ماذا عن حوادث السرقة والقتل والاغتصاب وبقية الجرائم التي تحتاج لشهادة؟ تساؤلاتي بناء على المقال الذي سأسرده لاحقًا هنا لابن القيّم الجوزية يفرّق بين "الشهادة" و"الرواية"، ويبيّن أنّ الكثير من المواقف مختلف فيها بشأن "العدد" أصلا.. إذن المسألة ليست (رجلان)/(رجل وامرأتان)، بل أصلا هل هناك تعدّد أم يُكْتَفى بشهادة واحد. وهو ما يجعلني أقتنع أكثر أنَّ مشكلتنا ليست أبدًا في الأحكام الفرعية التي نختلف بشأنها، بل في القرارات الكبيرة التي نتأخر كثيرًا عن اتخاذها أو نجبن عنها.

معاني الضلال:
في لسان العرب: "الضَّلالُ والضَّلالةُ: ضدُّ الهُدَى والرَّشاد؛ قال أَبو منصور: والإِضْلالُ في كلام العرب ضِدُّ الهداية والإِرْشاد. وقال: والأَصل في كلام العرب وجه آخر يقال: أَضْلَلْت الشيءَ إِذا غَيَّبْتَه. قال ابن بري: قال أَبو عمرو بن العلاء إِذا لم تعرف المكانَ قلت ضَلَلْتُه، وإِذا سَقَط من يَدِك شيءٌ قلت أَضْلَلْته؛ قال: يعني أَن المكان لا يَضِلُّ وإِنما أَنت تَضِلُّ عنه، وإِذا سَقَطَت الدراهمُ عنك فقد ضَلَّت عنك. تقول للشيء الزائل عن موضعه: قد أَضْلَلْته، وللشيء الثابت في موضعه إِلا أَنك لم تَهْتَدِ إِليه: ضَلَلْته. وضَلَّ الناسي إِذا غاب عنه حفظُ الشيء. وأَضَلَّه أَي أَضاعه وأَهلكه. وفي التنزيل العزيز: إِنَّ المجرمين في ضَلالٍ وسُعُرٍ؛ أَي في هلاك. والضَّلال النِّسْيان. وتَضْلِيل الرجل: أَن تَنْسُبَه إِلى الضَّلال. وضَلَّ فلان عن القَصْد إِذا جار."
في القاموس المحيط: "وضَلَّ يَضِل، وتفتحُ الضادُ، ضَلالاً: ضاعَ، وماتَ، وصارَ تُراباً وعِظاماً، وخَفِيَ وغابَ. ويقال: هو ضُلُّ بنُ ضُلٍّ، بكسرِهما وضَمِّهِما: مُنْهَمِكٌ في الضَّلالِ، أو لا يُعْرَفُ أبوه، أو لا خَيْرَ فيه. وأضَلَّهُ: دَفَنَهُ وغَيَّبَهُ. ويقالُ للباطِلِ: ضُلَّ بتَضْلاَلٍ."

كُـلِّ هذه المعاني للضلال، لم يؤخذ منها سوى معنى واحد، يتحامل على المرأة بشكل أو آخر، فالذاكرة أمر متفاوت بشأنه بين الرجال والنساء، يختلف في النساء كما يختلف في الرّجال، ولا عجب أن يؤخذ التفسير الأقرب لعقلية مجتمع يفكّر في المرأة كمواطن من الدرجة الثانية بداهة.

ماذا لو أننا فهمنا خطأ كلّ هذا الوقت؟ وكان الضلال المعني في الآية هو تراجع إحداهما عن الشهادة نظرًا لخوفها من مواجهة المدّعَى عليه؟ أليست بهذا "تَضِلّ" عن الحق وتتراجع عن أداء حقّ النّاس في ظهور الحقيقة وتبيان الحقّ؟
ماذا لو أنّها جَبُنَت، وخشيت على نفسها وأبنائها من سطوة المدعى عليه (المشهود عليه) و"ضلّت"، هنا سيأتي دور شريكتها في المأساة، لتذكرها بحجم الكارثة التي فعلها الجاني، لتشدّ أزرها للحصول على الحقّ إن كان لهما، أو ردّه لمستحقيه إن كان لغيرهما. سـ"تذكّر" إحداهما الأخرى بفداحة سكوتها ومدى الظلم الذي يمكن أن يحدث إنْ ظلّت هي على "ضلالها".
في برنامج حماية الشهود بأمريكا، يظلّ الشهود تحت حماية الشرطة طيلة مدة الشهادة، وحتى تنتهي المحاكمة تمامًا، وفي حالات معيّنة، إن كان في شهادة الشهود خطرًا على حياتهم من الجناة أو أطرافهم، يتمّ تغيير أسماءهم وأماكن إقامتهم، وقد يظلّون تحت حماية الشرطة للأبد بهويّاتهم الجديدة.

هل يمكن لأي امرأة أن تتحمّل ضغطًا نفسيًا كهذا؟ إذا كانت معظم النساء (فيما رأيتُ) ترفض الاقتران برجل لا يملك وظيفة (ثابتة) فسترضى بالشهادة في محاكمة قد تصبح بعدها مهددة وأسرتها للأبد؟

هنا سيسأل سائل، ماذا عن الرجال؟ ألا يخشون أيضًا على حيواتهم ويتخوفون بشأن تهديد عوائلهم وهوياتهم؟ سأقول أنَّ معظم الرجال لا يتنازلون عن حقوقهم، ولا يتسامحون كالنّساء بهذا الشأن، خصوصًا لو كانت الحقوق ماديّة، وليسوا بحاجة لأن يذكّرهم أحد بأنّ حقوقهم ضائعة وعليهم أن ينالوها.

وأختم بما قاله محمد عبده "كل ما يُعاب على المسلمين ليس من الإسلام، وإنما هو شيء آخر سـمّـوه إسلامًا"..

يقول ابن القيّم في كتابه بدائع الفوائد:[الفرق بين الشهادة والرواية أنَّ الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا يتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة. فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد، فاحتيط لها بالعدد والذكورية وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، ولم يفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص، فلم يُشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبًا على الظن صدق المخبر وهو العدالة المانعة من الكذب واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط. ولما كان النساء ناقصات عقل ودين لم يكن من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك قويت المرأة بمثلها، لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها، وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة. فكيف لا يقبل شهادته على نظيره على المكلفين ويقبل شهادته على الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية فكيف لا يقبل على رجل في درهم ولا ينتقض هذا بالمرأة لأنها تقبل شهادتها مع مثلها لما ذكرناه، والمانع من قبول شهادتها وحدها منتف في العبد.
وعلى هذه القاعدة مسائل:
أحدها الإخبار عن رؤية هلال رمضان من اكتفى فيه بالواحد جعله رواية لعمومه للمكلفين، فهو كالأذان. ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة لأنه لا يعم الأعصار ولا الأمصار، بل يخص تلك السنة وذلك المصر في أحد القولين وهذا ينتقض بالأذان نقضًا لا محيص عنه. وثانيها الإخبار بالنسب بالقافة فمن حيث أنه خبر جزئي عن شخص جزئي يخص ولا يعم جرى مجرى الشهادة، ومن جعله كالرواية غلط فلا مدخل لها هنا، بل الصواب، أن يقال من حيث هو منتصب للناس انتصابًا عامًا يستند قوله إلى أمر يختص به دونهم من الأدلة والعلامات جرى مجرى الحاكم. فقوله: حكم لا رواية.
ومن هذا الجرح للمحدث والشاهد هل يكتفى فيه بواحد إجراء له مجرى الحكم أو لا بد من اثنين؟ إجراء له مجرى الشهادة على الخلاف، وأما أن يجري مجرى الرواية فغير صحيح وأما للرواية والجرح. وإنما هو يجرحه باجتهاده لا بما يرويه عن غيره.
ومنها الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها. هل يشترط فيها التعدد؟ مبني على هذا ولكن بناؤه على الرواية والشهادة صحيح، ولا مدخل للحكم هنا.
ومنها التقويم للسلع من اشترط العدد رآه شهادة ومن لم يشترطه أجراه مجرى الحكم لا الرواية.
ومنها القاسم هل يشترط تعدده على هذه القاعدة والصحيح الاكتفاء بالواحد لقصة عبد الله بن رواحة.
ومنها تسبيح المصلي بالإمام هل يشترط أن يكون المسبح اثنين فيه قولان مبنيان على هذه القاعدة.
ومنها المخبر عن نجاسة الماء هل يشترط تعدده فيه قولان.
ومنها الخارص والصحيح في هذا كله الاكتفاء بالواحد كالمؤذن وكالمخبر بالقبلة، وأما تسبيح المأموم بإمامه ففيه نظر، وفيها المفتي يقبل واحدًا اتفاقًا.
ومنها الإخبار عن قدم العيب وحدوثه عند التنازع. والصحيح الاكتفاء فيه بالواحد كالتقويم والقائف. وقالت المالكية: لا بد من اثنين ثم تناقضوا. فقالوا: إذا لم يوجد مسلم قبل من أهل الذمة.]بدائع الفوائد-1.(متوفر بوكيبيديا)

23 October, 2010

الصلاة المسروقة - 1

كثيرًا كنتُ أتساءل، بعد أن تحوّل فعل الصلاة بالنسبة لي إلى حركات مؤداة على وجه الوجوب، عن المغزى الحقيقي وراءها، مللتُ الإجابات الجاهزة "صلة بين العبد وربّه" فالكثير من الأشياء تصلني بربّي أكثر مما تصلني به صلاتي، أنا أتصّل بربّي بمعاملة خلقه، وبصبري على أذاهم، وبمعاونة محتاج سهّلتُ له قضاء احتياجه. القرءان يصلني بربّي، التأمل في خلق ربي يصلني بربّي. أما الصلاة فحركات جاهزة أؤديها بتكاسل فظيع كي أضمن أنني لن أحترق في جهنّم فيما بعد !
وكأنني أرشو كتّاب أعمالي، وأغافلهم بصلاة لا أقبلها أنا لو كانت تؤدى إليّ، ولا أرضى أن أقوم بها أمام أحد، لأنّها لا تصحّ أن تُمارَس في العلن، لأنّها سيئة المنظر كامرأة لم تغسل أو تمشط شعرها ووجهها لأيام.
وكنت أرجو أن أجد إجابة لتساؤلاتي. لماذا يا ربّ تريدني أن أصلّي؟


وجاءتني الإجابة في كتاب. أخرجتني من الظلمات إلى النور،وقالت لي السبب الحقيقي للصلاة. والذي ربّما ترونه ساذجًا، أو سخيفًا. لكنّه كان سببًا كافيًا لأجرّب، وأتذوق طعمًا آخر لم أتذوقه من قبل.
وإنْ كانتِ المرأة تتخلص من الدم الفاسد شهريًا بالطمث، فإنّ الرجل والمرأة كلاهما يتخلصّان من الهواء الفاسد يوميًا بالصلاة.
انس للحظة كل ما تعلمته سابقًا من معان تقفز للذهن عند ذكر لفظ "الصلاة"، الفظها كأنّك تقولها لأول مرة في حياتك، وفكّر بها كأنك للتو عرفت اللغة وعليك أن تخترع معنى للكلمات، وإيّاك أن تقيم الصلاة قبل أن تصل للإجابة بنفسِك.


إن الدخول في الصلاة الإسلامية، ليس دخولا في غيبوبة، بل خروجًا متعمدًا من جميع حالات السهو والشرود، قوامه اليقظة الكاملة، التي يحققها المصلي، بالانتباه إلى انتظام أنفاسه، وتحديد مسارها لحظة بلحظة، وهي تجربة تتميز بإحكام السيطرة على العقل والجسم، وتهيئ للمصلي حالة نادرة من الطمأنينة، لا تلبث أن تحيل صلاته إلى متعة في حد ذاتها، وتعيده إليها مرة بعد مرة.


أداء هذه الحركات، يحتاج بالضرورة إلى إغلاق العينين، لأن قدرة المخ على تنظيم التنفس، تتوقف أساسًا على تعطيل جميع الحواس بقدر الإمكان. فالمصلي لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يرى، لكنه ليس غائبًا عن الوعي، وليس منجذبًا إلى عالم مجهول، بل حاضرًا مستيقظًا في هذا العالم ينظر إليه بعين ثاقبة، ويطيل إليه النظر، حتى يرى موضع الشعرة الفاصل بين الفجر والغسق.


إن المصلي المسلم لا ينجذب مثل الدرويش، ولا يرسل عقله إلى "المجهول". وليس هو المواطن المغمض العينين الذي يدخل الصلاة لكي يغيب في عالم غائب، لأنّ الصلاة الإسلامية نفسها لا يمكن أداؤها إلا بشروط اليقظة الكاملة.


وأترككم مع المقال كاملًا:


ثمة نوعان من الرياضة، أحدهما حرفة تقوم على زيادة حجم العضلات، لتوفير مزيد من قوة الدفع. وهي حرفة قديمة، أثبتت قدرتها على كسب المال والشهرة في كل العصور. لكنها ليست رياضة للجسد، بل نشاطا حرفيا على حسابه، لا يلبث أن يقود إلى التقاعد المبكر .
النوع الثاني من الرياضة لا يهدف إلى زيادة حجم العضلات، بل يهدف إلى إنعاش الجسم ككل، بتمرير كميات متزايدة من الهواء، عن طريق التنفس العميق. وهو أسلوب فعال جدا، يستطيع أن يضمن صحة الجسم والعقل، إلى مراحل متقدمة من العمر، وقد عرفه العرب في لغتهم الحديثة باسم ( اليوغا ) لكن كلمة اليوغا معناها بالعربي ( الصلاة).
فالتنفس العميق شرط يتطلب تحقيقه، أن تنتظم الأنفاس عينها في فترات محددة، ومحسوبة بالثواني، وهو مطلب يبدو هينًا، ولا علاقة له بالدين لكنه في الواقع مطلب كبير جدا، وشرط أساسي في أداة الصلاة.
مصدر هذا الارتباط، أن الأنفاس لا تنتظم أبدا، إلا إذا تخلى المخ عن جميع مشاغله الحياتية، وفرغ نفسه لتنظيم مرورها، لحظة بلحظة، في نسق دقيق، قادر على توجيه تيار الهواء بضغط متساو، في زمن متساو، من أسفل البطن إلى أعلى الصدر، وهي فترة من الانتباه الشديد، يقضيها المصلي ماثلا أمام سر الحياة الخارق، يشهد ميلاده المتجدد بين الأنفاس، ويرى الحي يخرج من الميت رأي العين.
دون انتظام الأنفاس، لا ينتبه المخ، ولا يستطيع المصلي أن يمنع عقله من الشرود ولا تصبح الصلاة مقابلة كاملة مع الله، لهذا السبب ، يقول القرآن عن الصلاة "وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين" البقرة :45
فالخشوع لا يتحقق بتمثيل دور الخاشع، وليس هو إغلاق العينين والتظاهر بالغياب عن العالم، ولا يمكن الدخول فيه عنوة بافتعال الهلوسة، كما يزعم الدراويش وليس ثمة سبيل واحد إليه سوى انتظام الانفاس؛ لأن الخشوع ليس حالة انجذاب إلى عالم آخر بل حالة يقظة في هذا العالم، تتطلب أن يخشع الجسد أولا، وتنتظم دقات القلب، لكي يتحقق السكون المطلوب للعقل الخاشع وإذا كان انتظام الأنفاس قد سقط الآن من بين شروط الصلاة الاسلامية فإن حركات هذه الصلاة نفسها، من التكبير الى السلام، شاهد في حد ذاتها، على أنها أوضاع موجهة أصلا لتنظيم التنفس.
فرفع اليدين للتكبير في أول الصلاة حركة موجهة لإفساح تجويف الصدر، أمام تيار الهواء خلال الشهيق، وهي افتتاحية الوضع الأول في الباب الذي تعرفه اليوغا تحت اسم (تادازانا) أي وضع النخلة.
والوقوف في الصلاة، وضع يتيح الضغط بجدار المعدة على تيار الهواء، لتمريره إل أعلى الصدر، وتعرفه اليوغا تحت اسم (سامس هيتي) التي تعني وضع الوقوف.
والانحناء للركوع وضع ينقل ضغط الهواء، من الصدر إلى جانبي الجسم، من أربع زوايا تختلف بمقدار اختلاف المسافة بين اليدين وبين القدمين، وتعرفه اليوغا تحت اسم (يوتانازانا) أي الركوع .
والسجود على الأرض، وضع يتيح تمرير الضغط إلى منطقة الظهر والكتفين، وله بابان في اليوغا، أحدهما سجود مواجهة الأرض، مثل الصلاة الإسلامية، والآخر سجود في مواجهة السماء، وهو الباب المعروف بـ (ابانزانا).
والجلوس بثني القدمين إلى الوراء، وضع تعرفه اليوغا باسم ( اللوتس المبسط)، وهو وضع يلائم جميع الأعمار، مهمته أن يحرر الساقين من وزن الجسم، ويتيح للمصلي وقتًا طويلا نسبيًا، لأداء صيغة التشهد.
والسلام في نهاية الصلاة، وضع يتيح نقل الضغط إلى أعلى نقطة في العمود الفقري، ويشد عضلات الرقبة، وهو وضع له أبواب متعددة في اليوغا، ينسب معظمها إلى معلم يدعى (ماتسياندرا).
إن حركات الصلاة الإسلامية، ليست رموزًا، بل أوضاعا يتخذها المصلي، لتمرير ضغط الهواء في جميع أنحاء جسده، بتوقيت الشهيق والزفير، في نسق محدد.
هذا التوقيت يحتاج إلى آله قياس دقيقة قادرة على حسابه بالثواني خلال أربع مراحل متداخلة:
المرحلة الأولى: تبدأ بالشهيق خلال الأنف، من أسفل البطن إلى أعلى الصدر، لمدة تتراوح بين 8 ثوان، و12 ثانية.
المرحلة الثانية: تبدأ بضغط الهواء من البطن وكتمه في تجويف الصدر ، لمدة تتراوح بين 4 ثوان، و60 ثانية.
المرحلة الثالثة: تبدأ بالزفير خلال الأنف، من أعلى الصدر إلى أسفل البطن لمدة تترواح بين 12 ثانية، و16 ثانية.
المرحلة الرابعة: تبدأ بالامتناع عن التنفس، وحفظ الجسد مفرغًا من الهواء، لمدة تتراوح بين 4 ثوان، و60 ثانية .
توقيت هذه المراحل، يتم في اليوغا بأن يعمد المصلي إلى العد بالأرقام، أو بتمرير حبات السبحة، لكنه يتم في الصلاة الإسلامية بقراءة القرآن، وهو اختلاف يتعدى طريقة قياس الوقت، إلى معنى الصلاة نفسها فالأرقام وحبات السبحة، لاتخاطب المصلي، ولا تستطيع بالتالي أن تقتحم وحدته، مما يجعل جلسة اليوغا تبدو مملة وطويلة بالنسبة للمبدتئين، أما قراءة آيات القرآن فإنها تحيل الصلاة الإسلامية إلى جلسة مبهجة مع صوت مؤنس جدًا.
فالمصلي المسلم، لا يشغل عقله بتوقيت التنفس لأنّ قراءة الآيات المتساوية، تعطيه زمنًا متساويًا من دون حاجة إلى العد. إنه لا يحسب الزمن بالأرقام بل بالكلمات ويكسب بذلك رفيقًا مؤنسًا في لحظة وحدته الحقيقة.
عند مدخل الصلاة يكبر المصلي رافعًا يديه، لإفساح تجويف الصدر ويبدأ الشهيق والزفير مع كلمتي (الله اكبر) وهما كلمتان ذاتا مخرجين مختلفين تغطيان فترة تمتد سحب الهواء مع كلمة (الله) إلى نهاية الزفير مع كلمة ( أكبر) ويتراوح زمنها بين 8 ثوان و32 ثانية أو أكثر، طبقًا لجهد المصلي، ومستوى تدربه.
ومن هذا المدخل، يواصل المصلي تنظيم أنفاسه وحساب زمنها بقراءة آيات، أو سور كاملة، من القرآن، حسب خطته في التنفس، فسورة الكوثر طولها ثلاث آيات وزمن تلاوتها 15 ثانية، لكن صورة البقرة طولها 286 آية، وقد يزيد زمن قراءتها عن نصف ساعة. بالإضافة إلى ذلك، جاء القرآن كله مقسمًا إلى آيات يمكن البدء بها من أي موقع مما يتيح للمصلي أن يدخل في جميع أبواب التنفس البسيطة والمركبة دون حاجة إلى العدّ.
في المرحلة الثانية، ينقل المصلي ضغط الهواء إلى جانبي الجسم، بإحناء الجذع إلى الأمام، ثم يستقيم رافعًا يديه، وينحني بجذعه إلى الوراء، مستكملا دورة الشهيق والزفير. وهي فترة تطول أو تقصر، لكنها لا تتكرر، لأن الصلاة لا تعتمد على تكرار الحركة مثل التمارين السويدية، بل تعتمد على إطالة زمن الحركة، وتطويع العضلات للاحتفاظ بوضع واحد أطول وقت ممكن. ولهذا السبب فإن المصلي لا يلهث ولا يلحق به الإعياء، كما يحدث لمن يؤدي التمارين السويدية، رغم أن عضلاته تتلقي في الواقع ضغطًا مساويًا.
في المرحلة الثالثة، يدخل المصلي في وضع السجود الذي يتيح تمرير الضغط إلى الظهر والكتفين، برفع القدمين عن الأرض، ويسند الجسم باليدين وأعلى الجبهة. وهو الوضع الوحيد الذي يسمح بإيصال ضغط الهواء إلى العمود الفقري ويحرر الساقين من وزن الجسم، ويطيل زمن السجود، بقدر ما يشاء المصلي، دون جهد عضلي مرهق.


في المرحلة الرابعة، يجلس المصلي على عقبيه، في وضع اللوتس المبسط، لكي يحرك إصبعه بالتشهد. وهي حركة تهدف إلى تركيز الانتباه في بؤرة صغيرة محددة، واستثارة المخ لاكتشاف صدى هذه الحركة الخافتة في الجسم بأسره.


في آخر الصلاة، يستدير المصلي بعنقه، دون بقية جسده خلال مدة تغطي قوله (السلام عليكم ورحمة الله)، وتنتهي بوصول الذقن إلى خط متواز مع الكتف، والاحتفاظ بهذا الوضع، لبعض الوقت، مرة على اليمين، ومرة على اليسار.


أداء هذه الحركات، يحتاج بالضرورة إلى إغلاق العينين، لأن قدرة المخ على تنظيم التنفس، تتوقف أساسًا على تعطيل جميع الحواس بقدر الإمكان. فالمصلي لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يرى، لكنه ليس غائبًا عن الوعي، وليس منجذبًا إلى عالم مجهول، بل حاضرًا مستيقظًا في هذا العالم ينظر إليه بعين ثاقبة، ويطيل إليه النظر، حتى يرى موضع الشعرة الفاصل بين الفجر والغسق.
إن المصلي المسلم لا ينجذب مثل الدرويش، ولا يرسل عقله إلى "المجهول". وليس هو المواطن المغمض العينين الذي يدخل الصلاة لكي يغيب في عالم غائب، لأنّ الصلاة الإسلامية نفسها لا يمكن أداؤها إلا بشروط اليقظة الكاملة. وهي شروط حددها القرآن نصًّا، وبالتفصيل:
الأول: شرط الانتباه، لان شرود العقل علامة على فساد الصلاة "فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون" الماعون :4،5
الثاني: شرط النشاط، لأن كسل الجسد علامة على التظاهر بالدين من باب النفاق. "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى" النساء:142. وفي التوبة :54 "ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى".
الثالث: شرط الوقوف في وضع الانتباه الكامل "وقوموا لله قانتين" البقرة : 238، فالقنوت هو إحكام الشد والسيطرة، ومنها كلمة "سقاء قنيت" أي لا يسيل منه الماء.
إن الدخول في الصلاة الإسلامية، ليس دخولا في غيبوبة، بل خروجًا متعمدًا من جميع حالات السهو والشرود، قوامه اليقظة الكاملة، التي يحققها المصلي، بالانتباه إلى انتظام أنفاسه، وتحديد مسارها لحظة بلحظة، وهي تجربة تتميز بإحكام السيطرة على العقل والجسم، وتهيئ للمصلي حالة نادرة من الطمأنينة، لا تلبث أن تحيل صلاته إلى متعة في حد ذاتها، وتعيده إليها مرة بعد مرة.
دون التنفس المنتظم، تصبح الصلاة غيابًا متعمدًا في عالم مسحور. فالمصلي الذي لا يسيطر على أنفاسه، لا يستطيع أن يمنع عقله من الشرود، وليس بوسعه أن يحقق هذا الهدف المستحيل، إلا بقدر ما يستطيع أن يهرب من ظله. إنه يغمض عينيه، ويجرب حظه في تركيز انتباهه، خلال صلاة صعبة، يقضيها في صراع مرهق مع عقل مشوش، يفاجئه من كل موقع ويشغله بكل فكرة طارئة ماعدا فكرة الصلاة. وهي حالة من الوهن العقلي الشديد، يفقد المخ خلالها سيطرته على الجهاز العصبي، ويتحول إلى مركز استقبال مروع يتلقي جميع الإشارات الصحيحة والوهمية، ويختزن أفكارًا مزورة دون أن يدري. وفي ظروف هذا "الخشوع" القسري، يتحول المخ إلى سلاح موجه لقتل المصلي . فيقوده علنًا إلى "عالم مجهول"، ويقنعه علنًا بأن "يغيب فيه". وهي جنازة كاملة بجميع طقوسها، لكن المصلي لا يكتشف أبدًا أن مخه قد دفنه حيًا.
لهذا السبب ، اختار القرآن أن يقول في الآية 4 من الماعون "فويل للمصلين".
فالعقل الغائب، لا يدرى الفكرة الحاضرة، ولا يستطيع أن يفهم الدين إلا في إطار عالمه المغيب. إنه لا يقف عند واقع الحي الذي يتنفس بل يجتازه إلى عالم "ما وراء الواقع"، ويدخل في "المجهول" متعمدًا أن يخلق لنفسه "منطقًا" خرافيًا مفضوحًا، يقوم علنًا على إنكار المنطق، وقد تكفل هذا العقل المسحور، بتفسير الدين تفسيرًا سحريًا، فغيبه علنا وراء "حجب الغيب" ودفنه حيا، بأن جعل الدين هو شكل الدين. إن الصلاة الإسلامية هي أشهر جنازة في عالم هذا العقل الغائب.


فالفقه الإسلامي لا يدخر وسعًا في شرح معاني الصلاة الدقيقة والخفية لكنه لا يرى معناها الظاهر للعين المجردة. وقد أجمع الفقهاء على أن حركات الصلاة منقولة مباشرة عن رسول الله شخصيًّا، لكنهم لم يكتشفوا أبدًا، لماذا اختار الرسول عليه الصلاة والسلام، هذه الحركات دون سواها، مما دعاهم إلى تفسيرها تفسيرًا بلاغيًّا بحتًا. فالوقوف في الصلاة هو (المثول بين يدي الله). والسجود هو (إبداء الخضوع له). وقراءة آيات القرآن (سنة مباركة). وهي تفسيرات بلاغية بحتة، لا تقول شيئًا علميًّا،مهما أطالت في الشرح، لأنها تقوم على فهم سحري لفكرة الصلاة.
والواقع أنّ الفقه الإسلامي. الذي يسمي نفسه "علمًا". لم يشهد طوال تاريخه تجربة علمية واحدة، لاختبار علاقة الخشوع بطريقة التنفس، واستكشاف المعني الكامن وراء حركات الصلاة. وهي تجربة، كان من شأنها أن تقود المصلي المسلم إلى موضوع الكنز.
فالصلاة الإسلامية هدية كبيرة من المعلم الكبير. إنها ليست طقوسًا كهنوتية بل نشاطًا دينيّا بقوم به الجسم والعقل معا، طبق خطة مدروسة علميّا، للمثول أمام سر الحياة الخارق وجهًا لوجه. وهي خطة معروضة للتجربة في عالم الناس الأحياء، وقادرة على إثبات صحتها بشهادة علنية منهم. واذا شاء الفقه أن يتكلم ذات مرة بلغة العلم، فلابد من أن يعيد صياغة مناهجه الفصيحة، ويعود من عالمه الغائب لكي يربط جسره الذي انقطع مع الواقع، ويسلم للناس صلاتهم المسروقة.


من كتاب: الإسلام في الأسر؛ لكاتبه الليبي: الصادق النيهوم

22 October, 2010

زاد


منصّة ثقافية جادة، لمن يعمل عقله ويناقش بهدوء كل ما كان يعتمل في النفس بسكون. موقع زاد يحوي المقالات التي تتحدث في عدة مجالات دينية، ثقافية، أدبية. 

ومدونة شباب زاد فكرة خلاقة لربط الشباب خلال مكان واحد، شباب يكتب أو يقتبس مما لفت نظره ووجد أنه يستحق أن يُقرَأ من قِبَل الآخرين.



تذكرون موضوع صبا الصوت الذي كتبتُ عنه أوّل العام؟


حسنًا؛


يبدو أنّهم أولاد عم.