Showing posts with label قراءات. Show all posts
Showing posts with label قراءات. Show all posts

01 April, 2012

في مكنون قوله: «حتّى يغيّروا ما بأنفسهم»ـ




مفردة «التغيير» هي من أكثر المفردات إشكالاً على الصعيد الدلالي. فهي تعني في الاصطلاح "الإصلاح"، ولكن تحمل في مادّتـها وحرفيتها "الغير"، "الآخر". وكأنّ التغيير (على وزن التفعيل) هو أساساً أن نصبح آخرين، غير ما كنّا عليه، حسب السياقات والظروف. تكمن خطورة "التغيير" في أن تكون الأمور "أخرى"، غير ما كانت عليه، وليس مجرّد "إصلاح" العطب أو الخلل كما ينمّ عنه المصطلح. وضرورة التغيير تمليها الأزمنة المتحركة والإرادات الفاعلة. فلا يمكن في أي مكان وفي أي زمان استعمال نفس الأدوات والمفاهيم والتصورات التي تحكّمت في العصور الغابرة. حتى وإن كان من الممكن الاحتفاظ بنفس التركيبات العقلية أو التشكيلات التاريخية أو التأسيسات النظرية والعملية، إلاّ أنّه من المتعذّر أن تكون لهذه التركيبات أو التشكيلات أو التأسيسات الدلالة نفسها أو الاستعمال ذاته من عصر إلى آخر ومن إقليم إلى آخر. لهذا السبب نتحدث عن «التغيير» (الغير، الغيرية، كيف نصبح أغياراً دون أن نتوقف عن كوننا نحن؟)، وأتحدث بشكل خاص عن «لابدية» التغيير كضرورة تاريخية ووجودية لا مناص منها، لأن الحياة تتطور، والعقليات تتقدم، والأزمنة تختلف، فمن المستحيل أن نوقف الزمن أو التغيير بحجة أنه لا يوجد أي شيء نغيّره في حياتنا. فالذي يقف في وجه التغيير هو الذي يخشى أساساً على سلطته ونخبويته ومصلحته، لا أكثر.


نردد في الغالب، بشكل تلقائي وتلقيني، دون الوعي اللفظي والتأويلي، للآية الشهيرة: «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» (الرعد:11). إذا كان هناك أموراً تستدعي التغيير، فهناك قبل كل شيء طريقتنا في رؤية الوجود والوقائع. وهذا ما نستشفه في الآية: ليس «تغيير النفس»، ولكن «تغيير ما بالنفس». وما بالنفس هو طريقة إدراكها للوجود والحياة بالأدوات الحسية أو الذهنية أو الذوقية كما تعلّمنا نظريات المعرفة. أي «ما بالنفس» هو المعيار النظري من العيار الخفيف أو الثقيل في وزن الأمور بميزان العقل أو الحس أو الوهم. فالشيء الذي يتغيّر في النفس وبالنفس هو «زاوية النظر» لترى الأمور من أوجه مختلفة، ومن منظورات مغايرة تحظر عليها النظر بشكل أحادي ومن زاوية واحدة فقط تبني بموجبها الأحكام وتحوّل على إثرها الوقائع إلى حقائق، فتتعسّف في أحكامها وتسرف في رؤيتها. وهنا أورد واقعة تكلم عنها ابن عربي في «كتاب المسائل» وهي الحوار بين الجنيد وسريّ السقطي: «قال الجنيد قال السريّ: سمعت غليم الأسود يقول من أقبل على الأشياء وهو يراها هربت عنه، ومن تركها أتته، قلت له: كيف ذلك يا سريّ؟ قال: كان يذكر أنّه كان يكسب ويجتهد فلا يقوم بكفاية معيشته، قال: فقرأت هذه الآية (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم) فتركت الكسب متوكّلاً على الله بالكفاية، فلو ضربت بيدي إلى هذه الأسطوانة صارت ذهباً وضرب بيده على الأسطوانة فإذا هي تلوح ذهباً. ثمّ قال: يا سريّ، هذه الأعيان لا تنقلب، ولكنّك هكذا تراه لحقيقتك بربّك، فانظر في قوله هكذا تراه يعني الحقّ وهكذا تراه يعني المرئي، أي الرؤية عائدة على الرائي». الرؤية عائدة على الرائي، كذلك التغيير عائد على الذات إذا أرادت أن تتغيّر أو لا. فإذا عزمت الذات على أن ترى المؤامرة أو القَدَر أو غيرها من المعتقدات النفسية، فالمشكلة فيها، وليس في الواقع الذي تسقط عليه إدراكاتـها، أي المشكلة عائدة على رؤيتها أو تواكلها أو تكاسلها، وليس في الأشباح التي تعتقد أنـها تدبّر لها المكائد. فلا يمكن التغيير بالهوس (البارانويا) أو الاعتقاد في الأوهام (مثلما يعتقد الطفل الصغير بوجود الغول)، ولكن يتأتّى التغيير بوضع الذات على محكّ النقد والقراءة التي تستهدف الماضي والحاضر.


إذا تغيّرت زاوية النظر، تصبح «كيفية» التغيير ممكنة ويسيرة، أي عندما نعي بأنّ الوجود متعدد الوقائع والحقائق، وبأن العالم لا يتمركز حول ذات أو منظومة، فإنه يمكننا أن نتغيّر عمّا نحن عليه، نحو وجود أرحب وعالم أوسع، لا ننغلق على بداهاتنا أو مكاسبنا، ولا نغلق العالم بسبب أوهامنا أو غبائنا. وإذا أحسنّا التغيير (أستعمل «الحُسن» بشكل جمالي وخُلُقي كأرقى ألوان التدبير والأداء، مضاهاة للإحسان في الثقافة الإسلامية، الأخلاقية منها والعرفانية) معناه أننا نُحسن تحويل الأنساق إلى الأفعال، و«الرأسمال» الرمزي والثقافي والنصي إلى «صفقات» أدائية و«عُملات» استعمالية. بتعبير آخر، تستدعي «كيفية» التغيير القدرة على تصريف الأشياء أو تحريك الأمور. فلا نتخّذ من تراثنا الملاذ لنحتمي به أو القلعة لنتحصّن ضد واردات الزمان، فنحيا في زمانه وننعزل عن وجودنا، ولكن نجعل منه «أداة» لاستعمال مغاير في الظروف والسياقات التي نحياها، والتي ترتبط بحاضرنا ومصيرنا. التراث هو للاستعمال وليس للتبرّك. مثلاً، النصوص التي نغترف من أفكارها ومفاهيمها، لا نكتفي بتفكيكها لنرى بنيتها ووظيفتها، ولا نكتفي بتأويلها لنقف على مبادئها وغاياتـها، ولكن نستعملها كذخائر لاحتياطات نظرية، وكأدوات لصناعات آنية وراهنة. هذا ما أقصده بكيفية التغيير، فهو يخص العلاقة وليس الحد، يستهدف الأداء وليس الشكل.


لماذا نتغيّر؟ يخصّ الأمر «ما بالنفس». أي لا يتعلّق الأمر فقط بما يجب تغييره خارج ذواتنا من مؤسسات أو نماذج أو برامج، ولكن أيضا بما يقتضي تغييره بذواتنا من أشكال في الإدراك وزوايا في النظر. إنّ «الباء» هي أداة التغيير، أي التغيير بالنفس من أجل النفس.

فإذا أتاح لنا تغيير ما بأنفسنا، فإنّ المؤسسات والتشكيلات تتغيّر، وعكسه؛ إذ أنّنا نتغّير بتغيير مؤسساتنا السياسية وتشكيلاتنا النظرية والثقافية والفكرية. هناك علاقة عضوية وحيوية بين «ما نحن عليه» و«ما نقوم به»؛ علاقة «لادونية» بتعبيرنا، حيث لا تتغيّر الذات سوى بتغيير الرؤية المتجسّدة في الخطاب والمؤسسة والممارسة؛ ولا تتغيّر هذه الرؤية سوى بتغيير إرادي يأتي من الذات يستهدف طريقة التعبير ونمط التفكير وصيغة التدبير. فالملاحَظ إذن أنّ التغيير هو أن تصبح الذات «غير» ما كانت عليه بالارتقاء نحو مستويات أخرى من الوجود والأداء. تتغيّر بالتحوّل في شروطها الوجودية والعملية، وتغيّر بإضفاء شيء مغاير أو مختلف في المستويات أو العتبات التي تنتقل إليها. من هنا، من يزعم بأنّ التغيير يكون بالعودة إلى الأصول التأسيسية المثبّتة في النصوص الأصلية، لا يتوهّم فقط، لا يتوحّم أيضاً، ولكن ينسف الأساس من جذره في إمكانية التغيير كمقولة وكواقع. عندما نقول نتغيّر، فإننا نقصد نتحوّل (نصبح أغياراً، آخرين)، وكيف نتحوّل بالرجوع إلى تأسيسات جاهزة لا تعبّر، بالمعنى التداولي، عن خصوصيات الزمن وتحوّلات الذهنية وارتقاءات العقلية وانفصاليات الجغرافيا؟ أي كيف نتحدّث عن التغيير بصيرورتنا أغياراً إذا كان الرجوع إلى المرجعيات التأسيسية تجعلنا بالأحرى هويات تتماهى مع ذاتـها، لتصبح نفسها، فتدور على رحى ذاتـها؟ كل تغيير هو انتقال بالنصوص لا انتقال في النصوص، حيث «الباء» هي مركب هذا الانتقال أو أداة التغيير؛ إذ «الفائيون» يدورون على رحى النص ولا يبرحون مكانـهم؛ و«البائيون» ينتقلون بالنص وينقلونه في المستويات التي يتقلّبون فيها؛ الفائيون يبقون على عتبة التصلّب والتخشّب، والبائيون يجوبون فضاءات التقدّم والتقلّب.  


أ.د. محمد شوقي الزين؛
كاتب وباحث في الفلسفة والفِكر الكلاسيكي والمعاصر 


14 January, 2012

نقد العقل المسلم

كم حزنت لأنني لم أعرف هذا الكاتب الرائع من قبل، كتاباته متّزنة عاقلة، فِكره ملائم تمامًا لما أبحث عنه، كُلّ ما قرأتُ منه سرّني.
وكم حزنت لأنني لم أعرف أنّه نفس كاتب كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة" أيضًا، والذي كان بالأساس ردًا على كتاب "تحرير المرأة" لـ قاسم أمين.
أتحدث عن كتاب "نقد العقل المسلم" لـ عبد الحليم أبو شقة رحمه الله.
يقع الكتاب في ثلاثة فصول؛

الفصل الأول: أزمة العقل المسلم المعاصر.
الفصل الثاني: حول منهج التفكير الإسلامي.
الفصل الثالث: حول الخلاف والحوار.

يبدأ الفصل الأول بتبيان حجم العقل كنعمة خاصّة بالإنسان دون غيره من الكائنات، وربط الكاتب العقل بالإيمان ربْطًا يجعل أحدهما بدون الآخر خللًا في النفس، فكيف يكون الإيمان بلا عقل إلا عبودية لبشر؟ فنحن لم نر الله تعالى، ولم نتوصل إليه إلا بعقولنا، وما كان الهدي النبوي عبر الأزمنة إلا مكمّلا للطريق الذي ابتدأه العقل نحو الإيمان.
وما العقل دون إيمان يهديه ويرفع من إنسانيته وروحه؟ ودون قِيَم عليا يهتدي بها تحميه من تدمير نفسه والعالَم؟

العقل الواعي المتأمل المتحرر هو أجلّ ما في الإنسان، فلا هو ينجرّ أعمى نحو سلطان التقليد، ولا سلطان الهوى. وهو أنبل ما في الإنسان وهو الذي يرفع الإنسان إلى أن يكون متميزًا عن غيره من الكائنات التي لا تحتاج إلى العقل.
ثم يقول أنّ الدين جاء ليحرر العقل من الأثقال ولكنّ ورثة الدين يحجرون عليه بتضييق نطاق عمله، وإجباره على تقديس عقول الآخرين، والإنسان عندما يقدّس عقل آخر فإنّ ذلك يعني حتمًا إلغاء عقله. لأنّك لن تجرؤ على التفكير فيما يخالف ما قاله المقدَّس، وإنْ جرؤتَ على التفكير فلن تبوح به، ومن هنا يبدأ التقهقر الفِكْري في المجتمعات عامّة.
ثم يذكر الكاتب مظاهر الانحطاط الفكري، الجمود الفكري، التقليد المذهبي، الاستهلاكية، حصر الجهود في علوم اللغة والشريعة مع التركيز على التقعّر الشكلي دون المضمون، انعدام الاستقرار السياسي، نبذ العلوم الطبيعية وغيرها ..
ويستعرض أعراض انحراف العقل المسلم المعاصر:

1. الغفلة عن القواعد الأصولية والقواعد الفقهية.
كعدم مراعاة الأولويات فيتم تضييق الحلال وتحريم المباح بحجة سد الذرائع، دون فهم حقيقي لدرجة المصالح ودرجة المفاسد وعمل إحصائيات ودراسات ميدانية قبل اتخاذ قرار مصيري يخص الأمة.
ومنها عدم تقبل التعدد والتنوّع والاختلاف، فالاجتهاد باب أساسيّ في الفقه، لكنّ بعض الناس حجروا على باقي المسلمين بحجّة أنّهم ليسوا من أهل العلم، وأنّ الاجتهاد ليس لكلّ أحد فانصرف النّاس عن التفكّر في الدين وأخذوا عمّن جَهِل وأجْهَل.

2. الوقوع في بعض المزالق الفكرية.
ومنها التفسير بغير علم، والقول بأنّ الدين يحلّ جميع مشاكل الحياة، وهو قول قد يفهم بشكل خاطئ وسيء جدًا، فيظنّ الناس أننا لسنا بحاجة إلى عقولنا ولا إلى أن نعمل لنحلّ مشاكلنا بأنفسنا، وهذا مزلق فكري، فالعقل هو الأداة التي ستستخرج الحلول لهذه المشاكل من الشرع.

ومنها الفصام في النظر للنصوص الشرعية أو اعتبار حديث واحد مصدرًا للتشريع، في الوقت الذي تتوافر فيه أحاديث أخرى ناسخة أو مخَصِّصَة.
ومنها معرفة الحق بالرجال لا الرجال بالحقّ، وتقديس الأشخاص، مع أنّه حتى الرّسل عليهم السلام عرفهم الناس بالحق. فكان الحقّ ابتداء على وجودهم.

3. سيطرة الأعراض النفسية السلبية.
كالخوف من البوح بأقوال لم يقلها السابقون بحجّة أنّها بدعة أو ضلالة، مع أن الحديث يقول:"من سنّ في الإسلام سنّة حسنة" أي أن الاجتهاد عندما يصيب فإنه يجنّب الناس الشرور ويقدّم المصالح ولذلك فإنه مطلوب في كل عصر وحين، ومن كلّ مسلم عاقل يفكّر، ومن الأمراض تقديم النوافل على الفرائض والانشغال بالجزئيات عن الكليّات، والاتكالية وشخصنة المبادئ والأفكار، وفقد الثقة بالنفس والآخرين وغياب الموازين المحددة لما يقبل وما يرفض من نتاج حضارات الآخرين، والتفكير الأحادي الغير متعدد الزوايا وغيرها الكثير مما تجده واقعًا ملموسًا في المجتمعات العربية بشكل عام.

تراكمت الأزمة على مدى عقود، حتى أصبح الاعتقاد راسخًا أن عقول المسلمين أعجز من أن تتعامل مع النصّ بشكل مباشر، فتعطلت عقول الناس؛ وأنّ ما بيننا وبين حضارات الآخرين هو صراع علينا أن نكسبه بالتعصّب الأعمى لماضينا دون أن نتحرك خطوة واحدة على طريق مستقبل ناهض، وأصبح المهم حفظ المتون والنصوص والشروح والميل لقراءة وجهة نظر واحدة واتباع مذهب واحد دون قراءة أدلة المختلفين فضلًا عن محاولة التجديد والاجتهاد!

"ومن عيوب العقلية المتدينة المتشددة استعدادها الكبير للتشدد في أمور الدين ولسان حالها يقول "زيادة الخير خيرين" وكأنّ كل زيادة في الدين خير، بينما كلّ نقص مهما صغر فهو أكبر الشرور. وبهذا يختل الميزان الذي وضعه الشرع لحدود الخير والشرّ."

"إنّ تنزيه الله عز وجل وتقديسه واجب إسلامي، لكن الخطأ أن يتحول إلى تقديس كل ما له صلة بالدين، فأي أمر وأي إنسان منسوب إلى الدين (قيادة جماعة دينية / رجل صالح / عابد / رجل عالم / مجاهد .. ) كل هؤلاء يلحق بهم التقديس والتقدير المبالغ فيه من أتباعهم، فتختفي الأخطاء وتتحول إلى كرامات وعبقرية!"

ثم يضع الكاتب تصورات أولية لإعادة تشكيل العقل المسلم بالتركيز على ثلاثة محاور أساسية: تغيير الإدراك وأنماط التفكير، والتنوير بالمعلومات الصحيحة المنهجية عن الشرع والواقع كلاهما، وأخيرًا محور التلاقي بين ما سبق لبلورة تصوّر التغيير وبدء التنفيذ.

ويبدأ الفصل الثاني بأهم نقطة في صناعة الحضارات، وهي صناعة الإنسان، فكلما ارتقى الإنسان وبلغ درجة عالية من التحضر أدرك أهمية صناعة الإنسان، وأولاها عناية خاصة تفوق عنايته بصناعة الآلات، ورسم الخطط وبذل المال لإعداد صانعي الإنسان وصانعي الأجيال.

ثم يتحدث عن منهج إسلامي منطقي عقلاني يعتمد على التروّي في أخذ المعلومة والقدرة على نقدها بحياد دونما الاتكاء على مشاعر وانفعالات سابقة، ويتحدث عن المنهج العلمي، وكيف أنّه مطلوب أيضًا في مسائل العقيدة فضلا عن مسائل التشريع وقضايا التفكير.

ثم يحدد مصادر المعرفة الإسلامية:
1. الوحي كمصدر لبعض المعلومات عن الكون، بعضها وصلنا إليها بالعلم التجريبي وبعضها ماوراء العقل.
2. الكون. ووسائل تحصيل المعرفة فيه هي الحس والعقل.
ويحدد مناهج البحث والتحصيل بـ:
1. منهج البحث العلمي التجريبي.
2. المنهج العلمي الذي يدعو إلى التحرر من إسار الذاتية إلى الموضوعية.
3. منهج أصول الفقه والقواعد الفقهية وهو المنهج الموصل لحقائق الوحي باعتباره مصدرًا للمعرفة.
ويذكر ملامح أخرى للمنهج الفكري الإسلامي لا يطول المقام لذكرها.

في الفصل الأخير يتحدث الكاتب عن الخلاف والحوار، وعن أهمية كلّ منهما، فالخلاف ضرورة من ضرورات الخلق، ولن يتفق الناس جميعًا على شيء واحد ولو أردنا ذلك.

فالحلّ إذن في التحاور، وليس على أحد الأطراف أن يكون صوابًا والبقية أن يكونوا مخطئين، فقد يكون الجميع على صواب فيكون التعاون للنهوض بالأمة آكد.

لقد أصرّ المشركون على الرسول عليه السلام أن يأتيهم بمعجزات ماديّة حسيّة لكن العلم الإلهي رأى أنّ القرآن وحده كاف لذلك، وأنّ على البشر أن ينضجوا ويبدؤوا باستعمال عقولهم.

31 August, 2011

الحديث المظلوم، الآية المظلومة


"إنَّما هي أعمالكم تُردّ إليكم، كما تكونوا يُوَلَّ عليكم"
يقول مالك بن نبي عن الحديث: "يحذّر فيه الرسول عليه السلام المسلمَ من كل استسلام للأمر الواقع"*، ونستشهد نحن به في السياق الخاطئ، فنجعله حجّة للسكوت عن الحاكم المستبدّ بحجّة أنّ الحاكم السيء دلالة على أنّ الشعب فاسد فالحاكم من الشعب وأخلاقُه أخلاقهم.

تمامًا كما تركنا الآية "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ"

وأصبحنا نستشهد بجزء منها فقط "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، وكان هذا مبرّرا لرفض البعض للثورات العربية؛ قائلين بأنّ الأفراد عليهم أن يتغيروا أولا قبل أن يطالبوا بتغيير الأنظمة الحاكمة.

وليس لديّ سوى إجابة واحدة على هذا المبرر السخيف، لو أنّنا أردنا إصلاح بيت ما، هل سنبدأ بإصلاح الأطفال؟ أم أنّنا سنبدأ بتوعية الآباء، ثم يكون على الآباء إرساء قواعد وقوانين أخلاقية مُلزِمَة لكلّ سكان البيت بحيث ينصلح حال البيت؟

الفرق كبير بين الإصلاح الديني والإصلاح المجتمعي، أوّلما ظهرت الدعوة الإسلامية كدين بدأت بالأفراد واحدًا بعد آخَر لأجل صنع مجتمع مسلم، بينما حين تم إرساء قواعد الدولة الإسلامية في المدينة فإنّ الرسول عليه السلام هو الذي أرسى قواعد وأسسًا سيسير على أساسها المجتمع بادئًا بعملٍ مدني بحت هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، بلغة اليوم يمكن أن نقول: تكافلا اجتماعيًا للمهاجرين الذين جاؤوا من مكة إلى المدينة لا يملكون شيئًا، وإرساء لقواعد المواطَنَة، وتوزيعًا للثروة بين أهل البلد الأصليين وإخوانهم الوافدين عليهم، حتى لا يصبح المجتمع طبقتين، طبقة من الأغنياء أهل البلد الأصليين، وطبقة من الفقراء الفارِّين من بطش أهلهم.

عودة للآية؛ المعقبات هي الملائكة الموكّلة بكتابة الأعمال كما هو مشهور في التفاسير، ومن سياق الآية يبدو أنّ للملائكة، سواء نفسها أو غيرها، وظيفة أخرى هي حفظ الإنسان أيضًا، وهنا قد يتساءل البعض عن كيفية عملها، وهل فعلا تحفظني الملائكة من السرقة مثلا؟ هذا موضوع ميتافيزيقي آخر تمامًا، المهم الآن، هو أنّ الإنسان سيبدأ بالتغيير فيغيره الله، ثم أتبع ذلك بـ"وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردّ له" أيّ أن الإنسان سيتغير، وبعد ذلك سيصيبه السوء فلا تحفظه الملائكة لأنّ الله أراد به ذلك، والملائكة التي "حفظته سابقًا من أمر الله" لن تستطيع الآن فعل شيء، "فلا مردّ له" وما له من دون الله من وليّ.

الآيات السابقة لهذه الآية مباشرة: "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ. له معقّبات .. "

ما العلاقة بين هاته المعقّبات وبين الإنسان؟ أو بينها وبين أعمال الإنسان بالتحديد السرية والجهرية؟ ومتى تكون متواجدة لحفظه ومتى تذهب عنه؟ ما الخطّ الفاصل بين حفظها له من أمر الله وبين عجزها عن ردّ السوء؟ ما آلية عملها فعلا؟ وهل "الهالة" التي تحيط بالمرء ليست مجرّد خرافة؟

الله أعلم.

* كتاب: بين الرشاد والتيه. ص68

22 July, 2011

هكذا قرأتُ زرادشت

زرادشت؛ رجلٌ أراد أن ينير نفوس الناس؛ فرهن وقته ليبثَّ الحكمة فيهم بمحاضراته وكلماته النيِّرة! كانوا يستهزئون منه في البدء؛ ومن ثم؛ وبطبيعة الوقت والترحال؛ أصبح له تلاميذ.

*

انتهيتُ مؤخرًا من كتاب نيتشه "هكذا تكلَّم زرادشت" ترجمة: فليكس فارس وتقديم: عيسى الحسن... أخيرًا عرفتُ من هو زرادشت؛ كنتُ أعرف اسم الكتاب وأتعجب عن زرادشت هذا الذي نقل نيتشه كلامه؛ إلى أنْ عرفتُ الحقيقة.

إنَّه الاسم المستعار لنيتشه!

نيتشه هو الذي كان يرى أنَّه يقدّم للناس خلاصة الحكمة في كتابه هذا. يكتب بروح شاعر وفيلسوف؛ وبرغم أنَّه قد يبدو أحيانًا وكأنَّه يدعو لدحر العاطفة والعمل بالعقل فقط؛ إلا أنَّ كلامه ينضح بأهمية الروح، التعاطف والإشفاق.
فكأنَّه يصف طرفي الإنسان في تعاملاته؛ ووجوب حصوله على الغِلْظَة واللين معًا.
زرادشت؛ الذي يرافقنا طيلة الكتاب رجل ترك موطنه وأصبح يجول في الأرض باحثًا متأملا؛ لا يؤمن بالله؛ ويتعجب ممن يفعلون؛ ويرى أنَّ الدين وسيلة الضعفاء للحياة؛ الله، المسيح، الرهبان، الكنيسة، وفكرة الصلب من المفردات التي تثير سخريته لأقصى درجة؛ ومع أنَّه نشأ في بيئة دينية؛ إلا أنَّه كان يرفض الدِّين تمامًا؛ ومن وجهة نظري – بعد قراءة الكتاب – أنَّه يرفض الخنوع لفكرة تجعله يرفض مواجهة الحياة أو الجَلَد بحجَّة أنَّك تطلب التعويض من الإله بسبب إيمانك بهذه الفكرة؛ وهو ما يوجد لدى كثير من الذين يفهمون دينهم بشكل خطأ؛ الإسلام على الأقل؛ فيقولون لك "اصبر واحتسب" و"لك الأجر والثواب"؛ خالطين بين الصبر على ما لا يمكن تغييره بحال؛ وبين واجب العمل على تغيير ما يمكن تغييره.
يريد زرادشت أنْ يرتقي البشر ليصبحوا متفوقين، ويرى أنَّهم على ماهم عليه من العوام، إلا من جاهد نفسه – ويعظّم في ذلك من شأن جهاد النفس – لأجل أن يصبح إنسانًا متفوقًا راقي التفكير والسلوك.
وتختلف نصائحه بين النصائح المباشرة؛ وبين نصائح أخرى قالها له بعض من قابلهم أثناء ضربه في الأرض.
يتحدث عن معاني روحانية ويجيب بعض الأسئلة الثقيلة على الروح؛ يدعو إلى الإصغاء إلى صوت الجسد لأنَّه لا يكذب؛ يعتزَّ بأرضيتِه بدلا من ادعاء السماويَّة. أن يتصالح الإنسان مع نفسه وأن يقبلها كما هي ويحاول ترقيتها حتى يصبح إنسانًا كاملا، والإنسانية لديه لا تعني الملائكية، بل تعني الاعتراف بترابية الإنسان وجهاده لنفسه حتى يصل إلى أعلى رقيّ إنسانيّ ممكن.

"يا زرادشت؛ إنَّ ثمارك قد نضجت ولكنَّك لم تنضج بعد لتقطفها، لذا وجب عليك أن تعود لوحدتك حتى تصير ناضجًا."
يقول: "لتكن فضيلتك أسمى من أنْ تستخفّ بالأشياء عند تحديدها" في دعوةٍ إلى عدم تسمية الأشياء بغير مسمياتها فينتشر ما يطلق المرء من تعاريف خاطئة!.
يقول أيضًا:"إنني أبغض كل قارئ كسول – عن الكتابة يعني - لأن من يقرأ لا يخدم القراءة بشيء، وإذا مرّ قرنٌ آخر على طغمة من القارئين فلا بد من أن تتصاعد روائح النتن من التفكير! إذا أعطي لكل إنسان الحق في أن يتعلم القراءة، فلن تفسد الكتابة مع مرور الزمن فحسب، بل إنَّ الفكر نفسه سيفسد أيضًا."
ويقول:"تريدنا الحكمة شجعانًا لا نبالي بشيء، تريدنا أشداء مستهزئين، لأنَّ الحكمة أنثى، ولا تحبّ الأنثى إلا الرجل المكافح الصلب"

*

قال: "لم تبلغ المرأة بعد ما يؤهلها للوفاء كصديقة، فما هي إلا هرة، وقد تكون عصفورًا، وإذا هي ارتقت أصبحت بقرة".
عندما وصلتُ لهذا المقطع ضاقت نفسي من نيتشه ومن الكتاب؛ ظنًا أنَّه يحتقر المرأة بشكل خاص؛ ثم بعدها مباشرةً؛ وجدتُ أنَّه يحتقر الرجال أيضًا؛ فخجلتُ من نفسي أنْ أضيق بمن يشبهني في حديثه. ليس من حقي أن أضيق به وقد طاح في الجميع! والمساواة في الظلم عدلٌ كما يقولون!
ولا أدري بعدُ – صدقًا – ما يوجد في البقرة يجعلها أرقى من الهررة والعصافير!
قال بعدها: "ليست المرأة أهلا للصداقة، ولكن ليقل لي الرجال من هو أهل للصداقة بينهم؟ إنَّ فقر روحكم وخساستها يستحقان اللعنة أيّها الرجال، لأنَّ ما تبذلونه لأصدقائكم يمكنني أنْ أبذله لأعدائي دون أن أزداد فقرًا"
ويقول – فيما يبدو للجميع – : "إنكم لا تتخذون إلا الأصحاب؛ فمتى تسود الصداقة بينكم؟"

*

يقول نيتشه: "لقد مات جميع الآلهة فلم يعد لنا أمل سوى في ظهور الإنسان الكامل"؛ فهل يعني أنّه كان هناك آلهة ثم ماتوا؟ وهل يعني – أم أنها ثقافتي تحكم – أنَّ الاتصال بين السماء والأرض قد انتهى وآل مآل الأرض للأقوى من البشر؟

*

ورغم كلّ ما يبدو على زرادشت من الثقة والعلوية التي يتحدث بها ناصح معلِّم إلى تلاميذه؛ فقد قال لأتباعه أنّ كلامه ونصائحه كلّها ربما تكون خطأ؛ وأنّه لا دليل على صحة ما يقول أو أنّه هو نفسه قد يغير رأيه فيما قال يومًا ما. ولا أدري إن كان هذا تواضعًا؛ أم أنَّه انطلاقًا من شعوره بأنَّه الباحث عن الحقيقة الذي يريد للجميع أن يبحث معه لا أن يأخذوا كلامه كأمر مسلَّم به؛ فهو بحاجة إلى من يناقشه لا من يؤمن به دون تشكيك.
يقول: "اللطف لا ينفصل عن مكارم من بلغوا الأوج بتفكيرهم"
ويقول: "إن بين الإفراط والتفريط قيد أنملة، فلا تحتقروا هذا المدى لأنه بعيد وإن قصر"
ويقول: "ما من جمال إلا في تنازل القوة إلى الرحمة"
ويقول: "إن السعادة تتأثرني لأنني لا أتأثر بالنساء. وهل السعادة إلا امرأة؟"
يعظِّم نيتشه من أهميّة الفرد؛ وتحقيق رغباته هو وإرادته هو؛ ويشدد على رفض تنفيذ الأشياء في قطيع دون تفكير فيما يرغب فيه الفرد أولا؛ ويشدد على أهمية أن يحب المرء نفسه أولا قبل أن يحب غيره.

*

يقول عن الزواج: "انتبهوا لكل زواج تعقدونه واحذروا العقود الفاسدة لأنكم إذا تسرعتم بها لا تجنون غير حلِّها، على أن فسخ الزواج خير من تحمله بالمصانعة والمخادعة".
ويقول: "ليس ما فُرِض عليكم أن تتناسلوا وتتكاثروا فحسب، بل عليكم أن ترتقوا أيضًا، فلتكن جنَّة الزواج مدخلكم إلى المرتقى".

الكتاب يستحقّ القراءة. لو أنَّك من المهتمين بسبر أغوار النفس البشرية. والتأمّل فيها.. جدير بالذكر أنَّ نيتشه أصيب بالجنون في نهاية عمره وبقي وقتًا طويلا في مصح نفسي؛ وبحسب ويكيبيديا فإنَّ أمه أخرجته منها ليمكث معها حتى فارق الحياة. ويوعز المحقق ذلك إلى أنَّه لم ترض به امرأة أبدًا؛ فلم يتزوج ولم يسكن إلى امرأة أو تسكن إليه امرأة، ويقول:"لو وجد نيتشه امرأة تؤمن به حتى النهاية لأنقذته من الجنون" لأنّ العقل البشري يعمل بطريقة مختلفة عندما يكون وحيدًا، فكيف بعقل كعقل نيتشه؟
الوِحدة؛ هي سبب قوله:"الآن لم يعد أحد يحبني، فكيف أستمر في حبي للحياة؟"؛ "حتى الضوضاء تكون عزاء بالنسبة للإنسان الوحيد"؛ "المتوحد يلتهم نفسه في العـزلة ومع الحشـود تلتهمـه أعـداد لا متناهية" وأخيرًا: "إني أشتاق إلى الكائنات البشرية وأبحث عنهم، ولكنني دائما أجد نفسي فقط، مع أنني لم أشتاق إلى نفسي، لم يعد يأتي أحد إلي، ولقد ذهبت إليهم جميعا ولم أجد أحدًا".

18 May, 2011

ترمي بشرر


رواية طويلة؛ طويلة؛ ثقيلة الوزن ثقيلة الكلماتِ ثقيلة على الرّوح .. للكاتب السعودي "عبده خال"


لو أنَّك في حالة انعدام وزن؛ تكره الدّنيا وتحتقر البشر؛ ربما ستعينك هذه الرواية على الانغماس بحالتك أكثر؛ وربّما تقوم بإخراجك من حالتك عندما تعرف أنَّ حالَك أهونُ من حالِ غيرك؛ بينما لو كنت من النوع الرقيق الهشّ الذي يتأثر بكلمة ويبكي لها أيَّامًا وليالي، فلا أنصحك أنْ تقرأ الرواية أصلا؛ لأنّك ستصاب بالاكتئاب وربّما تستيقظ فزعًا من نومك كي تتأكّد أنّك في بيتِك لا بيتِ الأمير؛ حيث مبدأ القصّة ومنتهاها.


"طارق" .. اسم جميل لشابّ أراد الخروج من فقر حارته التي نشأ بها في إحدى ضواحي جدّة؛ فشاء له سوء حظّه؛ وقدره العاثر؛ أن يعمل في قصر الأمير، الذي لا يعرف أحدٌ اسمه؛ لا يجرؤ أحد على نطقه، الكلّ يشير إليه بـ "السيّد"..
السيّد الكبير توفّي؛ وجاء بعده ابنه؛ السيّد العابث..

في كلّ أرجاء الرواية تفوح رائحة الأموال المحرّمة، والمتعة المحرّمة، والتقزّز الواجب.. ترميك من أعلى مصافّ الإنسانية إلى أقعى قيعان الانحطاط البشريّ، تصوّر ما يمكن أنْ يصل إليه الإنسان إذا نزعتَ عنْه الضّمير تمامًا، منحته النفوذ المطلق والقوّة والمال والسلطة والجاه، ثمّ لم ترسِل أحدًا ليحاسبَه..!

مهنة "طارق" في القصر كانت محدّدة منذ اليوم الأول، ستقوم بهتك عرض منْ يغضب عليه "السيّد". عندما يريد "السيد" أنْ يمنح أحدًا درسًا أو يكسر عينه أو يريه من الأقوى، يرسل له "طارق"، فيقوم بمهمّته القميئة أمام أعين "السيّد" الظافرة.
في القصر، كُلُّ شيءٍ مُسَجَّل، كُلّ همسة، كُلّ حركة، كُلِّ انتهاك، حتى وصل الأمر إلى بيوت من يعملون به أيضًا، كُلّ شيء مسجّل، وهذا أوّل بند غير مكتوب في لعبة الحقارة والخسّة، "سيكون لديّ ما يدينك ويذلّك ويذهب بك خلف كوكبنا هذا فعليك أنْ تكون صاغرًا على الدوام.."

"تهاني"؛ حُبّ طارق الأوّل والأخير، وكما يقول عنها أنّها الطّهر الوحيد في حياته المليئة بالقذارة، الطهر الوحيد، قام بتدنيسه في ليلةٍ مشؤومة كانت سببًا في أنْ يقتلها أبوها ويداريها التراب. ولا تعرف أمّها ذلك إلا بعد عشرين عامًا منْ مقتلها.

"تهاني" .. الصبيّة اليافعة التي أحبَّتْ شيطانًا في جسدِ إنْسان. ومنحتْه كُلَّها ذاتَ ضعْفٍ فكان ضريبة ذلك أنْ تمنح روحَها. وتصمِت للأبد.

ونساءُ القصر نوعان؛
زوجة السيّد وبناته وأمّه، أو بلفظ آخر، الأميرات، وخادماتهنّ. والنوع الثاني: نساء المتعة، وهنّ كُثْرْ .. واللواتي أصبح إعطاؤهنّ أموالهنّ وظيفةً أخرى لـ "طارق"..
الهاربات من بيوتهنّ، المطلقات في سنّ صغيرة والمتزوجات قهرًا وزوجاتٍ للمبادلة أو عِوضًا عنْ مال غير موجود!

بينما الذكور هناك نوعٌ واحد؛ تتبرأ منهم السماء وتلعنهم الأرض.

يقول "طارق" بعد أنْ تزوجت أمّه بعد فترة قصيرة من وفاة أبيه: " يبدو أنَّ المرأة تمنحك الجسد للمتعة، وتضنّ بقلبها عليك، تبقيه نابضًا حيًا، لتوفر مشاعرها الفياضة وتسكبها على أبنائها، هذا في المجمل، أما أمي فذكرياتي معها مشوشة، وكلما اكتشفت شيئا من سيرتها، عدت أنقّب في ذلك التشويش عما ينفي أو يثبت صحة المقولات التي تصلني"
ويقول في أثناء فِكْرة: "تكون إنسانيًا مع المرأة عندما لا يكون لك مغنمًا بها، أما إذا تحركت شهوتك نحو جسدها، فكلّ فعل إنساني تقدمه لها إنما هو إجادة متقنة للفخ المعدّ لاصطياد جسدها..."


شعرتُ بانقطاع السرد أحيانًا في الرواية، كأنّي أعرف أنّ الكاتب هنا قد أخذ عطلة، ثم عاد ليكملها فيما بعد، وهو أمر منتشر في الروايات السعودية عمومًا، ولا أدري لماذا، وهذا ليس رأيي وحدي على أيَّة حال.


كما أنَّ الرواية ليست من عالَمِ الخيال؛ بعض السعوديين ومن عاشوا في السعودية يؤكدون واقعيتها، لذلك عليك – بعد أن تنتهي الرواية – أنْ تُعيد وضوءك، تغسل روحَكَ بالحبيب ثلاثًا، ثمّ لا تحاول التفكير كثيرًا في أنَّ هناك بشرٌ مثل "طارق" و"السيّد" .. يمشون على الأرض!


أخيرًا؛ يمكنني القول بِكُلِّ ثقة: اكتب في روايتِك عن الشذوذ والجنس والجنس، ودُسَّ بعض الحَكَايا؛ وستضمن جائزةً ما!


17 May, 2011

حنين

صعد درجات المنزل وجِلا .. هل يجدها يا ترى؟ بينما تجتاحه الذكريات .. يتذكر كيف كانت مشرقة دومًا .. كانت الشيء الجميل في حياته الصغيرة ..

تذكّر .. منذ متى لم يعزف؟ ياللزمن البعيد .. كيف كان لا يكفّ كل يوم عن العزف .. لكنه الآن لم تلمس أنامله البيانو منذ سنوات طوال .. بعمر هجرته إلى كندا ربما .. وربما أكثر بقليل.

دقّ الباب بيده اليمنى وبيسراه علبة من الشوكولا الفاخرة.

لا أحد يردّ خلف الباب .. ولا أحد يفتح.

هل رحَلَت؟ لا يتصور أن يترك البلد مرّة أخرى دون أن يراها .. أنْ يحادثها ولو قليلا .. لا يمكن أن تكون رحلت.

جاء البوّاب حاملا كيسًا به بعض الحليب .. وضعه بجوار الباب وقال: لا تطرق الباب .. ستفتح هي وتأخذ الحليب ..

وقبل أن يعود من حيث أتى .. تساءل بصوت مرتفع: أنت أحد أقرباءها؟

أجاب بدون تردد : نـعـم.

كيف لا يكون أحد أقرباءها وقد تدرّب على يديها عدة سنوات؟ لم تكن معلّمة فحسب .. بل كانت أمًا ومربيّة فاضلة .. لا يستطيع أن ينسى كل تلك الذكريات في رأسه.

استطرد البوّاب: حبّذا لو جاء أحد للسؤال عليها من حين لآخر.

أجابه أن نعم.

وذهب ناحية الدرج، اتّكأ على الإفريز .. وانتظر.

بعد قليل فُتِحَ الباب لتخرج امرأة كبيرة في السن .. تأخذ الكيس .. ذهب الرجل ناحيتها قبل أن تغلق الباب .. حاولت أن تغلق الباب في وجهه لكنه صرخ قائلا أنا رائد ساعتها حدّقت بوجهه .. التقطت عويناتها من فوق صدرها ونظرت إليه.. ثم ظهرت على وجهها أمارات الرِّضا.
قال لها بينما تعود للداخل :
-
هل أستطيع الدخول؟
-
نعم .. أغلق الباب خلفك.

وضع علبة الشوكولا على الرف .. وجلس ينتظرها ريثما تقوم بإعداد الشاي.

رأى البيانو القديم .. في مكانه كما هو لم يتحرك، قام ليعزف عليه .. ويتذكر صباه .. بعد مقطوعة صغيرة
سمع صوتها : برافو ..
لم تنسَ.
-
منذ زمن لم أعزف.. لكن هذه أعرفها جيدًا.
-
ما الذي منعك؟
-
العمل.

قالت فجأة: نسيتُ الماء على النار .. سأقوم بعمل شاي لك . قال لها: كلا لقد شبعتُ منهما .. كلّما دخلتُ مكتبًا شربتُ شايًا أو قهوة. ارتاحي أنتِ .. أتريدين أن أعمل لكِ شايًا ؟
-
لا .. فقط أطفئ الغاز .. وأحكِم إغلاق الأنبوبة فهي تقوم بتسريب الغاز.
-
حسنا.

-
جلبتُ لك شوكولا من مطار زيونيخ خصّيصًا.. خذي تذوقيها. أخرج واحدة قام بفتحها لها وناولها إيّاها .. فأكلتها بتلذذ طفلة بلعبتها الأولى!
-
لماذا هاجرت؟
-
إنها الحياة.

أخذا يتحدثان .. يتضاحكان ويتبادلان الذكريات.. ومرّ الوقت بهما دون أن يشعرا.

حتى حان وقت الرحيل... تبادلا السلام على الباب .. قبّلت يده .. وقبّلها شاكرًا ..

وذهب.



إلى هنا انتهى الفيلم - بطولة ماجدة الخطيب- بتصرّف مني لأن ذاكرتي تقوم بعمل أفضل مصفاة لم تُصَنّع حتى الآن .. ما أحببته في الفيلم أنه صوّر تلك العلاقة الجميلة بين الطالب والمعلّم وألقى عليها الضوء..

علاقة لا تحدث كثيرًا .. أو أنها تحدث لكنّ أحدًا لم يفكر فيها بهذه الطريقة..

اعتدتُ أنا أن أزور مدرستي الثانوية .. لم أفعل هذه السنة .. لا أدري هل لأن المعلمة الوحيدة التي أهتم لأمرها وتتذكرني عندي في قائمة المسنجر .. أم خوفًا من أن أفاجأ بسقوطي من ذاكراتهنّ.. هن اللاتي يمرّ عليهن مئات الطلبة كل عام .. لا أدري

ربما السبب أنني فاقدة الإحساس بالزمكان .. سأتحدث عن هذا لاحقًا في موضوع آخر .. فقط ذكّروني !

وربما أفعلها وأذهب . لا أحد يدري ما قد أقرر في لحظة جنون .

العلاقة بين المعلّم .. والطالب .. منذ صغري وأنا أراها مميزة .. خاصة .. احترام متبادل .. وحب قد يكون من جهة الطالب أكثر .. لأنه ينبهر غالبًا بما يحمله أستاذه من معلومات وما يمنحه من نصائح دون حتى أن يشعر .. أتحدث هنا عن بعض المعلّمين ..

لأن هناك من لا يستحق شرف أن يكون معلّما .. هؤلاء لا أتحدث عنهم ..

أتحدث عن ورثة الأنبياء .. الذين يعلمّون الناس .. وفي تصرفاتهم وآرائهم تجدهم مشاعل للطريق الصحيح..

للأسف هناك الكثير من الطلبة والطالبات يرون الأمر بشكل مختلف .. يرون أن المعلم مجرد شخص جاء ليقول ما عنده كي يأخذ مبلغًا من المال آخر الشهر .. وبالتالي فلا داعي أبدًا لاحترامه .. وواجبه أن يقوم بمسح السبورة وسكب ما عنده من كلام فاضي والخروج دون المساس بكرامة أحد الطلبة .. وإلا يكون قد تعدّى على حدوده !

المشكلة مشكلة جيل .. أعلم هذا

لكن النماذج المشرّفة سواء من المعلّمين أو من الطلبة .. ما زالت موجودة.. ولها فقط يكون

الحنين.

نشرلأول مرة في يونيو، 2008

19 February, 2011

عن الجَمال


يغمرنا الجمال بحدود ما يستطيع. متدفّق لكنّه لا يتدفّق لظامئ واحد. ولو أراد أن يوهَب لمالك واحد لما استطاع. إنّه أسيرُ إشعاعه كما أنت أسير جدرانك. جوعك إليه أعظم من ولائه لك. انعطافه عليك يظلّ يتماوج بين نعمة وحسرة. الجمال الخالي من تناوب هذين الوجهين جمالٌ مشبوه. الحبّ الخالي من ألم الطمع بالمزيد، حبٌّ صغير.
الكاتدرائيّات والتماثيل الضخمة والقصور المنيفة ونجوم الفلك وصَخَب البحر وشسوع الغابات، جمالٌ يَسْحَق. يمكن أن يصبح مصدر إلهام، لكنّه نادراً ما يؤاخي ويصير صديقاً حميماً، ونادراً أكثر أن يغدو حبيباً. الجمال الحبيب يركّعك وهو يعتذر. يُخشّعك ويخشع معك. يبعث فيك الانسحار به ورغبة حمايته.
الجمال الحبيب يرعشك كعصفور في العاصفة، وهو نفسه عصفورٌ في العاصفة.
■ ■ ■
بين جمال يؤنّب ضميرك وآخر يُعفيك من ضميرك، أيّهما تختار؟
■ ■ ■
تتمنّى لو لم تصادف جمالاً يسكنك. لكنتَ حافظتَ على قسوة ظافرة. لما كان تسرّب إليك الضوء الذي يجوّع إلى مستحيله. لما كنت تَعلّقتَ بما يُدمِّر فيك ما كان فيك يُدمِّر. ملاكُ الإنقاذ لطالما استبطن غزاةَ احتلال.
■ ■ ■
يشرق الجمال من وراء حجاب. ظهوره يفاجئ كالهديّة، والمفاجأة الغامرة محبوبة دائماً. بعض الجمال يزداد رونقاً عندما يطلّ من مخبئه، كالقمر من الغيم، لكن الجمال السافر كذلك محجَّبٌ بنوع مختلف من النقاب هو نوره. كلّما نظرتَ إلى وجه جميل شعرتَ بأنّك الآن شرعتَ في رؤيته. تأمّلْ تَعجُّبَ الجميل لكلامك وأنت تتغنّى به. يخاف الجميل أن تملّه، أن يكون إعجابك كذباً أو انخداعاً، لأنّه لا يثق بسرّه. الجميل الحقّ معقّد بنقصه وباحثٌ بلا قرار عن الكمال. وهذا يَضاعف تأثيره. الجمال مَلِكٌ غير هانئ على عرشه، وهذا يضاعف تعلّقنا به.



أنسي الحاج

25 October, 2010

وامرأتان

كنت أطالع قناة الفجر الفضائية مصادفة، وعرفتُ أنّها قد خصصت ساعتين من بثّها اليومي لبثّ برامجها باللغة الانجليزية من باب الردّ على الهجوم الذي حدث مؤخرًا، ووجدتُ أنّ الرّجل (ولن أقول الشيخ) بدأ في الحديث للمتحدثين بالانجليزية عن الدَيْن (القرض) ومأكودية كتابته وضرورة توفر الشهود، وهنا نظرت باهتمام لأسمع الحجّة التي سيقولها تبريرًا لجُرْم "رجل واحد وامرأتان"، وأرى كيف سيحسّن صورة الإسلام ويريهم الحجّة النيّرة التي تخرس أيّ واحد يفتح ملفّ المرأة مرة أخرى، فإذا به يستشهد بصورة من قناة السي إن إن بعنوان:"المرأة الحامل تفقد ذاكرتها" ويؤكد على كلام أصحاب الدراسة بأنّها:"هذه دراسة علمية مؤكدة!"، وبطريقة مثيرة للشفقة يناضل للتأكيد على أنّ هذه الدراسة العلمية التي تمت في القرن العشرين هي سبب نزول الآية قبل ما يقرب من ألف عام ونصف!!
أنتَ لم تملك أدلتك الخاصّة لتعرضها، تتحدث عن دينك الخاصّ الذي تريد الدفاع عنه بأدلّة لم يجلبها علماؤك ولا فسّرها عقلاء أهل بلدك!
التساؤل المباشر الذي سيسأله أي سامع لهذا الهراء: "ماذا بشأن غير الحامل؟ ومن لا يمكنها الإنجاب؟ ومن حملت مرة واحدة تتساوى بمن تنجب كثيرًا؟ ... إلخ"!

يقول الأفغاني"أفضل وسيلة لإقناع الغربيين بالإسلام، أن نقنعهم أولا بأننا لسنا مسلمين كما ينبغي"

من الأسئلة التي ألحّت عليّ كثيرًا، لماذا امرأتان ورجل للشهادة؟ لا أؤمن أبدًا بالإجابات الجاهزة، ولا أقول أنني توصلتُ للإجابة تمامًا، لكنني أحاول فكّ رموزها بطريقة أخرى، عقلانية، لا تجعلني أرثي لأحد الطرفين أو آتي على أحدهما. 

الشاهد من الآيات:"واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أنْ تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا .. وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" آية الدَيْن، البقرة:282

دعوني أسأل أولا: من قال أن الحُكْم السابق يعمّم على كل أنواع الشهادة؟ ولماذا لم يتحدد الأمر في الديون/البيوع فقط كما ذُكِرَ في الآيات؟ ماذا عن حوادث السرقة والقتل والاغتصاب وبقية الجرائم التي تحتاج لشهادة؟ تساؤلاتي بناء على المقال الذي سأسرده لاحقًا هنا لابن القيّم الجوزية يفرّق بين "الشهادة" و"الرواية"، ويبيّن أنّ الكثير من المواقف مختلف فيها بشأن "العدد" أصلا.. إذن المسألة ليست (رجلان)/(رجل وامرأتان)، بل أصلا هل هناك تعدّد أم يُكْتَفى بشهادة واحد. وهو ما يجعلني أقتنع أكثر أنَّ مشكلتنا ليست أبدًا في الأحكام الفرعية التي نختلف بشأنها، بل في القرارات الكبيرة التي نتأخر كثيرًا عن اتخاذها أو نجبن عنها.

معاني الضلال:
في لسان العرب: "الضَّلالُ والضَّلالةُ: ضدُّ الهُدَى والرَّشاد؛ قال أَبو منصور: والإِضْلالُ في كلام العرب ضِدُّ الهداية والإِرْشاد. وقال: والأَصل في كلام العرب وجه آخر يقال: أَضْلَلْت الشيءَ إِذا غَيَّبْتَه. قال ابن بري: قال أَبو عمرو بن العلاء إِذا لم تعرف المكانَ قلت ضَلَلْتُه، وإِذا سَقَط من يَدِك شيءٌ قلت أَضْلَلْته؛ قال: يعني أَن المكان لا يَضِلُّ وإِنما أَنت تَضِلُّ عنه، وإِذا سَقَطَت الدراهمُ عنك فقد ضَلَّت عنك. تقول للشيء الزائل عن موضعه: قد أَضْلَلْته، وللشيء الثابت في موضعه إِلا أَنك لم تَهْتَدِ إِليه: ضَلَلْته. وضَلَّ الناسي إِذا غاب عنه حفظُ الشيء. وأَضَلَّه أَي أَضاعه وأَهلكه. وفي التنزيل العزيز: إِنَّ المجرمين في ضَلالٍ وسُعُرٍ؛ أَي في هلاك. والضَّلال النِّسْيان. وتَضْلِيل الرجل: أَن تَنْسُبَه إِلى الضَّلال. وضَلَّ فلان عن القَصْد إِذا جار."
في القاموس المحيط: "وضَلَّ يَضِل، وتفتحُ الضادُ، ضَلالاً: ضاعَ، وماتَ، وصارَ تُراباً وعِظاماً، وخَفِيَ وغابَ. ويقال: هو ضُلُّ بنُ ضُلٍّ، بكسرِهما وضَمِّهِما: مُنْهَمِكٌ في الضَّلالِ، أو لا يُعْرَفُ أبوه، أو لا خَيْرَ فيه. وأضَلَّهُ: دَفَنَهُ وغَيَّبَهُ. ويقالُ للباطِلِ: ضُلَّ بتَضْلاَلٍ."

كُـلِّ هذه المعاني للضلال، لم يؤخذ منها سوى معنى واحد، يتحامل على المرأة بشكل أو آخر، فالذاكرة أمر متفاوت بشأنه بين الرجال والنساء، يختلف في النساء كما يختلف في الرّجال، ولا عجب أن يؤخذ التفسير الأقرب لعقلية مجتمع يفكّر في المرأة كمواطن من الدرجة الثانية بداهة.

ماذا لو أننا فهمنا خطأ كلّ هذا الوقت؟ وكان الضلال المعني في الآية هو تراجع إحداهما عن الشهادة نظرًا لخوفها من مواجهة المدّعَى عليه؟ أليست بهذا "تَضِلّ" عن الحق وتتراجع عن أداء حقّ النّاس في ظهور الحقيقة وتبيان الحقّ؟
ماذا لو أنّها جَبُنَت، وخشيت على نفسها وأبنائها من سطوة المدعى عليه (المشهود عليه) و"ضلّت"، هنا سيأتي دور شريكتها في المأساة، لتذكرها بحجم الكارثة التي فعلها الجاني، لتشدّ أزرها للحصول على الحقّ إن كان لهما، أو ردّه لمستحقيه إن كان لغيرهما. سـ"تذكّر" إحداهما الأخرى بفداحة سكوتها ومدى الظلم الذي يمكن أن يحدث إنْ ظلّت هي على "ضلالها".
في برنامج حماية الشهود بأمريكا، يظلّ الشهود تحت حماية الشرطة طيلة مدة الشهادة، وحتى تنتهي المحاكمة تمامًا، وفي حالات معيّنة، إن كان في شهادة الشهود خطرًا على حياتهم من الجناة أو أطرافهم، يتمّ تغيير أسماءهم وأماكن إقامتهم، وقد يظلّون تحت حماية الشرطة للأبد بهويّاتهم الجديدة.

هل يمكن لأي امرأة أن تتحمّل ضغطًا نفسيًا كهذا؟ إذا كانت معظم النساء (فيما رأيتُ) ترفض الاقتران برجل لا يملك وظيفة (ثابتة) فسترضى بالشهادة في محاكمة قد تصبح بعدها مهددة وأسرتها للأبد؟

هنا سيسأل سائل، ماذا عن الرجال؟ ألا يخشون أيضًا على حيواتهم ويتخوفون بشأن تهديد عوائلهم وهوياتهم؟ سأقول أنَّ معظم الرجال لا يتنازلون عن حقوقهم، ولا يتسامحون كالنّساء بهذا الشأن، خصوصًا لو كانت الحقوق ماديّة، وليسوا بحاجة لأن يذكّرهم أحد بأنّ حقوقهم ضائعة وعليهم أن ينالوها.

وأختم بما قاله محمد عبده "كل ما يُعاب على المسلمين ليس من الإسلام، وإنما هو شيء آخر سـمّـوه إسلامًا"..

يقول ابن القيّم في كتابه بدائع الفوائد:[الفرق بين الشهادة والرواية أنَّ الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا يتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة. فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد، فاحتيط لها بالعدد والذكورية وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، ولم يفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص، فلم يُشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبًا على الظن صدق المخبر وهو العدالة المانعة من الكذب واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط. ولما كان النساء ناقصات عقل ودين لم يكن من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك قويت المرأة بمثلها، لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها، وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة. فكيف لا يقبل شهادته على نظيره على المكلفين ويقبل شهادته على الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية فكيف لا يقبل على رجل في درهم ولا ينتقض هذا بالمرأة لأنها تقبل شهادتها مع مثلها لما ذكرناه، والمانع من قبول شهادتها وحدها منتف في العبد.
وعلى هذه القاعدة مسائل:
أحدها الإخبار عن رؤية هلال رمضان من اكتفى فيه بالواحد جعله رواية لعمومه للمكلفين، فهو كالأذان. ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة لأنه لا يعم الأعصار ولا الأمصار، بل يخص تلك السنة وذلك المصر في أحد القولين وهذا ينتقض بالأذان نقضًا لا محيص عنه. وثانيها الإخبار بالنسب بالقافة فمن حيث أنه خبر جزئي عن شخص جزئي يخص ولا يعم جرى مجرى الشهادة، ومن جعله كالرواية غلط فلا مدخل لها هنا، بل الصواب، أن يقال من حيث هو منتصب للناس انتصابًا عامًا يستند قوله إلى أمر يختص به دونهم من الأدلة والعلامات جرى مجرى الحاكم. فقوله: حكم لا رواية.
ومن هذا الجرح للمحدث والشاهد هل يكتفى فيه بواحد إجراء له مجرى الحكم أو لا بد من اثنين؟ إجراء له مجرى الشهادة على الخلاف، وأما أن يجري مجرى الرواية فغير صحيح وأما للرواية والجرح. وإنما هو يجرحه باجتهاده لا بما يرويه عن غيره.
ومنها الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها. هل يشترط فيها التعدد؟ مبني على هذا ولكن بناؤه على الرواية والشهادة صحيح، ولا مدخل للحكم هنا.
ومنها التقويم للسلع من اشترط العدد رآه شهادة ومن لم يشترطه أجراه مجرى الحكم لا الرواية.
ومنها القاسم هل يشترط تعدده على هذه القاعدة والصحيح الاكتفاء بالواحد لقصة عبد الله بن رواحة.
ومنها تسبيح المصلي بالإمام هل يشترط أن يكون المسبح اثنين فيه قولان مبنيان على هذه القاعدة.
ومنها المخبر عن نجاسة الماء هل يشترط تعدده فيه قولان.
ومنها الخارص والصحيح في هذا كله الاكتفاء بالواحد كالمؤذن وكالمخبر بالقبلة، وأما تسبيح المأموم بإمامه ففيه نظر، وفيها المفتي يقبل واحدًا اتفاقًا.
ومنها الإخبار عن قدم العيب وحدوثه عند التنازع. والصحيح الاكتفاء فيه بالواحد كالتقويم والقائف. وقالت المالكية: لا بد من اثنين ثم تناقضوا. فقالوا: إذا لم يوجد مسلم قبل من أهل الذمة.]بدائع الفوائد-1.(متوفر بوكيبيديا)

23 October, 2010

الصلاة المسروقة - 1

كثيرًا كنتُ أتساءل، بعد أن تحوّل فعل الصلاة بالنسبة لي إلى حركات مؤداة على وجه الوجوب، عن المغزى الحقيقي وراءها، مللتُ الإجابات الجاهزة "صلة بين العبد وربّه" فالكثير من الأشياء تصلني بربّي أكثر مما تصلني به صلاتي، أنا أتصّل بربّي بمعاملة خلقه، وبصبري على أذاهم، وبمعاونة محتاج سهّلتُ له قضاء احتياجه. القرءان يصلني بربّي، التأمل في خلق ربي يصلني بربّي. أما الصلاة فحركات جاهزة أؤديها بتكاسل فظيع كي أضمن أنني لن أحترق في جهنّم فيما بعد !
وكأنني أرشو كتّاب أعمالي، وأغافلهم بصلاة لا أقبلها أنا لو كانت تؤدى إليّ، ولا أرضى أن أقوم بها أمام أحد، لأنّها لا تصحّ أن تُمارَس في العلن، لأنّها سيئة المنظر كامرأة لم تغسل أو تمشط شعرها ووجهها لأيام.
وكنت أرجو أن أجد إجابة لتساؤلاتي. لماذا يا ربّ تريدني أن أصلّي؟


وجاءتني الإجابة في كتاب. أخرجتني من الظلمات إلى النور،وقالت لي السبب الحقيقي للصلاة. والذي ربّما ترونه ساذجًا، أو سخيفًا. لكنّه كان سببًا كافيًا لأجرّب، وأتذوق طعمًا آخر لم أتذوقه من قبل.
وإنْ كانتِ المرأة تتخلص من الدم الفاسد شهريًا بالطمث، فإنّ الرجل والمرأة كلاهما يتخلصّان من الهواء الفاسد يوميًا بالصلاة.
انس للحظة كل ما تعلمته سابقًا من معان تقفز للذهن عند ذكر لفظ "الصلاة"، الفظها كأنّك تقولها لأول مرة في حياتك، وفكّر بها كأنك للتو عرفت اللغة وعليك أن تخترع معنى للكلمات، وإيّاك أن تقيم الصلاة قبل أن تصل للإجابة بنفسِك.


إن الدخول في الصلاة الإسلامية، ليس دخولا في غيبوبة، بل خروجًا متعمدًا من جميع حالات السهو والشرود، قوامه اليقظة الكاملة، التي يحققها المصلي، بالانتباه إلى انتظام أنفاسه، وتحديد مسارها لحظة بلحظة، وهي تجربة تتميز بإحكام السيطرة على العقل والجسم، وتهيئ للمصلي حالة نادرة من الطمأنينة، لا تلبث أن تحيل صلاته إلى متعة في حد ذاتها، وتعيده إليها مرة بعد مرة.


أداء هذه الحركات، يحتاج بالضرورة إلى إغلاق العينين، لأن قدرة المخ على تنظيم التنفس، تتوقف أساسًا على تعطيل جميع الحواس بقدر الإمكان. فالمصلي لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يرى، لكنه ليس غائبًا عن الوعي، وليس منجذبًا إلى عالم مجهول، بل حاضرًا مستيقظًا في هذا العالم ينظر إليه بعين ثاقبة، ويطيل إليه النظر، حتى يرى موضع الشعرة الفاصل بين الفجر والغسق.


إن المصلي المسلم لا ينجذب مثل الدرويش، ولا يرسل عقله إلى "المجهول". وليس هو المواطن المغمض العينين الذي يدخل الصلاة لكي يغيب في عالم غائب، لأنّ الصلاة الإسلامية نفسها لا يمكن أداؤها إلا بشروط اليقظة الكاملة.


وأترككم مع المقال كاملًا:


ثمة نوعان من الرياضة، أحدهما حرفة تقوم على زيادة حجم العضلات، لتوفير مزيد من قوة الدفع. وهي حرفة قديمة، أثبتت قدرتها على كسب المال والشهرة في كل العصور. لكنها ليست رياضة للجسد، بل نشاطا حرفيا على حسابه، لا يلبث أن يقود إلى التقاعد المبكر .
النوع الثاني من الرياضة لا يهدف إلى زيادة حجم العضلات، بل يهدف إلى إنعاش الجسم ككل، بتمرير كميات متزايدة من الهواء، عن طريق التنفس العميق. وهو أسلوب فعال جدا، يستطيع أن يضمن صحة الجسم والعقل، إلى مراحل متقدمة من العمر، وقد عرفه العرب في لغتهم الحديثة باسم ( اليوغا ) لكن كلمة اليوغا معناها بالعربي ( الصلاة).
فالتنفس العميق شرط يتطلب تحقيقه، أن تنتظم الأنفاس عينها في فترات محددة، ومحسوبة بالثواني، وهو مطلب يبدو هينًا، ولا علاقة له بالدين لكنه في الواقع مطلب كبير جدا، وشرط أساسي في أداة الصلاة.
مصدر هذا الارتباط، أن الأنفاس لا تنتظم أبدا، إلا إذا تخلى المخ عن جميع مشاغله الحياتية، وفرغ نفسه لتنظيم مرورها، لحظة بلحظة، في نسق دقيق، قادر على توجيه تيار الهواء بضغط متساو، في زمن متساو، من أسفل البطن إلى أعلى الصدر، وهي فترة من الانتباه الشديد، يقضيها المصلي ماثلا أمام سر الحياة الخارق، يشهد ميلاده المتجدد بين الأنفاس، ويرى الحي يخرج من الميت رأي العين.
دون انتظام الأنفاس، لا ينتبه المخ، ولا يستطيع المصلي أن يمنع عقله من الشرود ولا تصبح الصلاة مقابلة كاملة مع الله، لهذا السبب ، يقول القرآن عن الصلاة "وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين" البقرة :45
فالخشوع لا يتحقق بتمثيل دور الخاشع، وليس هو إغلاق العينين والتظاهر بالغياب عن العالم، ولا يمكن الدخول فيه عنوة بافتعال الهلوسة، كما يزعم الدراويش وليس ثمة سبيل واحد إليه سوى انتظام الانفاس؛ لأن الخشوع ليس حالة انجذاب إلى عالم آخر بل حالة يقظة في هذا العالم، تتطلب أن يخشع الجسد أولا، وتنتظم دقات القلب، لكي يتحقق السكون المطلوب للعقل الخاشع وإذا كان انتظام الأنفاس قد سقط الآن من بين شروط الصلاة الاسلامية فإن حركات هذه الصلاة نفسها، من التكبير الى السلام، شاهد في حد ذاتها، على أنها أوضاع موجهة أصلا لتنظيم التنفس.
فرفع اليدين للتكبير في أول الصلاة حركة موجهة لإفساح تجويف الصدر، أمام تيار الهواء خلال الشهيق، وهي افتتاحية الوضع الأول في الباب الذي تعرفه اليوغا تحت اسم (تادازانا) أي وضع النخلة.
والوقوف في الصلاة، وضع يتيح الضغط بجدار المعدة على تيار الهواء، لتمريره إل أعلى الصدر، وتعرفه اليوغا تحت اسم (سامس هيتي) التي تعني وضع الوقوف.
والانحناء للركوع وضع ينقل ضغط الهواء، من الصدر إلى جانبي الجسم، من أربع زوايا تختلف بمقدار اختلاف المسافة بين اليدين وبين القدمين، وتعرفه اليوغا تحت اسم (يوتانازانا) أي الركوع .
والسجود على الأرض، وضع يتيح تمرير الضغط إلى منطقة الظهر والكتفين، وله بابان في اليوغا، أحدهما سجود مواجهة الأرض، مثل الصلاة الإسلامية، والآخر سجود في مواجهة السماء، وهو الباب المعروف بـ (ابانزانا).
والجلوس بثني القدمين إلى الوراء، وضع تعرفه اليوغا باسم ( اللوتس المبسط)، وهو وضع يلائم جميع الأعمار، مهمته أن يحرر الساقين من وزن الجسم، ويتيح للمصلي وقتًا طويلا نسبيًا، لأداء صيغة التشهد.
والسلام في نهاية الصلاة، وضع يتيح نقل الضغط إلى أعلى نقطة في العمود الفقري، ويشد عضلات الرقبة، وهو وضع له أبواب متعددة في اليوغا، ينسب معظمها إلى معلم يدعى (ماتسياندرا).
إن حركات الصلاة الإسلامية، ليست رموزًا، بل أوضاعا يتخذها المصلي، لتمرير ضغط الهواء في جميع أنحاء جسده، بتوقيت الشهيق والزفير، في نسق محدد.
هذا التوقيت يحتاج إلى آله قياس دقيقة قادرة على حسابه بالثواني خلال أربع مراحل متداخلة:
المرحلة الأولى: تبدأ بالشهيق خلال الأنف، من أسفل البطن إلى أعلى الصدر، لمدة تتراوح بين 8 ثوان، و12 ثانية.
المرحلة الثانية: تبدأ بضغط الهواء من البطن وكتمه في تجويف الصدر ، لمدة تتراوح بين 4 ثوان، و60 ثانية.
المرحلة الثالثة: تبدأ بالزفير خلال الأنف، من أعلى الصدر إلى أسفل البطن لمدة تترواح بين 12 ثانية، و16 ثانية.
المرحلة الرابعة: تبدأ بالامتناع عن التنفس، وحفظ الجسد مفرغًا من الهواء، لمدة تتراوح بين 4 ثوان، و60 ثانية .
توقيت هذه المراحل، يتم في اليوغا بأن يعمد المصلي إلى العد بالأرقام، أو بتمرير حبات السبحة، لكنه يتم في الصلاة الإسلامية بقراءة القرآن، وهو اختلاف يتعدى طريقة قياس الوقت، إلى معنى الصلاة نفسها فالأرقام وحبات السبحة، لاتخاطب المصلي، ولا تستطيع بالتالي أن تقتحم وحدته، مما يجعل جلسة اليوغا تبدو مملة وطويلة بالنسبة للمبدتئين، أما قراءة آيات القرآن فإنها تحيل الصلاة الإسلامية إلى جلسة مبهجة مع صوت مؤنس جدًا.
فالمصلي المسلم، لا يشغل عقله بتوقيت التنفس لأنّ قراءة الآيات المتساوية، تعطيه زمنًا متساويًا من دون حاجة إلى العد. إنه لا يحسب الزمن بالأرقام بل بالكلمات ويكسب بذلك رفيقًا مؤنسًا في لحظة وحدته الحقيقة.
عند مدخل الصلاة يكبر المصلي رافعًا يديه، لإفساح تجويف الصدر ويبدأ الشهيق والزفير مع كلمتي (الله اكبر) وهما كلمتان ذاتا مخرجين مختلفين تغطيان فترة تمتد سحب الهواء مع كلمة (الله) إلى نهاية الزفير مع كلمة ( أكبر) ويتراوح زمنها بين 8 ثوان و32 ثانية أو أكثر، طبقًا لجهد المصلي، ومستوى تدربه.
ومن هذا المدخل، يواصل المصلي تنظيم أنفاسه وحساب زمنها بقراءة آيات، أو سور كاملة، من القرآن، حسب خطته في التنفس، فسورة الكوثر طولها ثلاث آيات وزمن تلاوتها 15 ثانية، لكن صورة البقرة طولها 286 آية، وقد يزيد زمن قراءتها عن نصف ساعة. بالإضافة إلى ذلك، جاء القرآن كله مقسمًا إلى آيات يمكن البدء بها من أي موقع مما يتيح للمصلي أن يدخل في جميع أبواب التنفس البسيطة والمركبة دون حاجة إلى العدّ.
في المرحلة الثانية، ينقل المصلي ضغط الهواء إلى جانبي الجسم، بإحناء الجذع إلى الأمام، ثم يستقيم رافعًا يديه، وينحني بجذعه إلى الوراء، مستكملا دورة الشهيق والزفير. وهي فترة تطول أو تقصر، لكنها لا تتكرر، لأن الصلاة لا تعتمد على تكرار الحركة مثل التمارين السويدية، بل تعتمد على إطالة زمن الحركة، وتطويع العضلات للاحتفاظ بوضع واحد أطول وقت ممكن. ولهذا السبب فإن المصلي لا يلهث ولا يلحق به الإعياء، كما يحدث لمن يؤدي التمارين السويدية، رغم أن عضلاته تتلقي في الواقع ضغطًا مساويًا.
في المرحلة الثالثة، يدخل المصلي في وضع السجود الذي يتيح تمرير الضغط إلى الظهر والكتفين، برفع القدمين عن الأرض، ويسند الجسم باليدين وأعلى الجبهة. وهو الوضع الوحيد الذي يسمح بإيصال ضغط الهواء إلى العمود الفقري ويحرر الساقين من وزن الجسم، ويطيل زمن السجود، بقدر ما يشاء المصلي، دون جهد عضلي مرهق.


في المرحلة الرابعة، يجلس المصلي على عقبيه، في وضع اللوتس المبسط، لكي يحرك إصبعه بالتشهد. وهي حركة تهدف إلى تركيز الانتباه في بؤرة صغيرة محددة، واستثارة المخ لاكتشاف صدى هذه الحركة الخافتة في الجسم بأسره.


في آخر الصلاة، يستدير المصلي بعنقه، دون بقية جسده خلال مدة تغطي قوله (السلام عليكم ورحمة الله)، وتنتهي بوصول الذقن إلى خط متواز مع الكتف، والاحتفاظ بهذا الوضع، لبعض الوقت، مرة على اليمين، ومرة على اليسار.


أداء هذه الحركات، يحتاج بالضرورة إلى إغلاق العينين، لأن قدرة المخ على تنظيم التنفس، تتوقف أساسًا على تعطيل جميع الحواس بقدر الإمكان. فالمصلي لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يرى، لكنه ليس غائبًا عن الوعي، وليس منجذبًا إلى عالم مجهول، بل حاضرًا مستيقظًا في هذا العالم ينظر إليه بعين ثاقبة، ويطيل إليه النظر، حتى يرى موضع الشعرة الفاصل بين الفجر والغسق.
إن المصلي المسلم لا ينجذب مثل الدرويش، ولا يرسل عقله إلى "المجهول". وليس هو المواطن المغمض العينين الذي يدخل الصلاة لكي يغيب في عالم غائب، لأنّ الصلاة الإسلامية نفسها لا يمكن أداؤها إلا بشروط اليقظة الكاملة. وهي شروط حددها القرآن نصًّا، وبالتفصيل:
الأول: شرط الانتباه، لان شرود العقل علامة على فساد الصلاة "فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون" الماعون :4،5
الثاني: شرط النشاط، لأن كسل الجسد علامة على التظاهر بالدين من باب النفاق. "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى" النساء:142. وفي التوبة :54 "ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى".
الثالث: شرط الوقوف في وضع الانتباه الكامل "وقوموا لله قانتين" البقرة : 238، فالقنوت هو إحكام الشد والسيطرة، ومنها كلمة "سقاء قنيت" أي لا يسيل منه الماء.
إن الدخول في الصلاة الإسلامية، ليس دخولا في غيبوبة، بل خروجًا متعمدًا من جميع حالات السهو والشرود، قوامه اليقظة الكاملة، التي يحققها المصلي، بالانتباه إلى انتظام أنفاسه، وتحديد مسارها لحظة بلحظة، وهي تجربة تتميز بإحكام السيطرة على العقل والجسم، وتهيئ للمصلي حالة نادرة من الطمأنينة، لا تلبث أن تحيل صلاته إلى متعة في حد ذاتها، وتعيده إليها مرة بعد مرة.
دون التنفس المنتظم، تصبح الصلاة غيابًا متعمدًا في عالم مسحور. فالمصلي الذي لا يسيطر على أنفاسه، لا يستطيع أن يمنع عقله من الشرود، وليس بوسعه أن يحقق هذا الهدف المستحيل، إلا بقدر ما يستطيع أن يهرب من ظله. إنه يغمض عينيه، ويجرب حظه في تركيز انتباهه، خلال صلاة صعبة، يقضيها في صراع مرهق مع عقل مشوش، يفاجئه من كل موقع ويشغله بكل فكرة طارئة ماعدا فكرة الصلاة. وهي حالة من الوهن العقلي الشديد، يفقد المخ خلالها سيطرته على الجهاز العصبي، ويتحول إلى مركز استقبال مروع يتلقي جميع الإشارات الصحيحة والوهمية، ويختزن أفكارًا مزورة دون أن يدري. وفي ظروف هذا "الخشوع" القسري، يتحول المخ إلى سلاح موجه لقتل المصلي . فيقوده علنًا إلى "عالم مجهول"، ويقنعه علنًا بأن "يغيب فيه". وهي جنازة كاملة بجميع طقوسها، لكن المصلي لا يكتشف أبدًا أن مخه قد دفنه حيًا.
لهذا السبب ، اختار القرآن أن يقول في الآية 4 من الماعون "فويل للمصلين".
فالعقل الغائب، لا يدرى الفكرة الحاضرة، ولا يستطيع أن يفهم الدين إلا في إطار عالمه المغيب. إنه لا يقف عند واقع الحي الذي يتنفس بل يجتازه إلى عالم "ما وراء الواقع"، ويدخل في "المجهول" متعمدًا أن يخلق لنفسه "منطقًا" خرافيًا مفضوحًا، يقوم علنًا على إنكار المنطق، وقد تكفل هذا العقل المسحور، بتفسير الدين تفسيرًا سحريًا، فغيبه علنا وراء "حجب الغيب" ودفنه حيا، بأن جعل الدين هو شكل الدين. إن الصلاة الإسلامية هي أشهر جنازة في عالم هذا العقل الغائب.


فالفقه الإسلامي لا يدخر وسعًا في شرح معاني الصلاة الدقيقة والخفية لكنه لا يرى معناها الظاهر للعين المجردة. وقد أجمع الفقهاء على أن حركات الصلاة منقولة مباشرة عن رسول الله شخصيًّا، لكنهم لم يكتشفوا أبدًا، لماذا اختار الرسول عليه الصلاة والسلام، هذه الحركات دون سواها، مما دعاهم إلى تفسيرها تفسيرًا بلاغيًّا بحتًا. فالوقوف في الصلاة هو (المثول بين يدي الله). والسجود هو (إبداء الخضوع له). وقراءة آيات القرآن (سنة مباركة). وهي تفسيرات بلاغية بحتة، لا تقول شيئًا علميًّا،مهما أطالت في الشرح، لأنها تقوم على فهم سحري لفكرة الصلاة.
والواقع أنّ الفقه الإسلامي. الذي يسمي نفسه "علمًا". لم يشهد طوال تاريخه تجربة علمية واحدة، لاختبار علاقة الخشوع بطريقة التنفس، واستكشاف المعني الكامن وراء حركات الصلاة. وهي تجربة، كان من شأنها أن تقود المصلي المسلم إلى موضوع الكنز.
فالصلاة الإسلامية هدية كبيرة من المعلم الكبير. إنها ليست طقوسًا كهنوتية بل نشاطًا دينيّا بقوم به الجسم والعقل معا، طبق خطة مدروسة علميّا، للمثول أمام سر الحياة الخارق وجهًا لوجه. وهي خطة معروضة للتجربة في عالم الناس الأحياء، وقادرة على إثبات صحتها بشهادة علنية منهم. واذا شاء الفقه أن يتكلم ذات مرة بلغة العلم، فلابد من أن يعيد صياغة مناهجه الفصيحة، ويعود من عالمه الغائب لكي يربط جسره الذي انقطع مع الواقع، ويسلم للناس صلاتهم المسروقة.


من كتاب: الإسلام في الأسر؛ لكاتبه الليبي: الصادق النيهوم