
لم يكن الدوام يومًا لبَشَر..
مهما كانوا محبوبين، ومرغوبٌ فيهم،
لكننا، دائمًا، سنتخيّلهم هنا،
وسنظلّ نسعد بروحهم حولنا



"من اُسْتُغْضِبَ ولم يغضب فهو حمار"

كم أودّ لو أكون في منتهى الصراحة، ولكني لم أتخلّص من رغبة انتزاع الموافقة. كيف للمرء أن يجمع بين الوحشيّة والودّ، بين الاستهتار والمسؤوليّة؟ لم أعد أصدّق نفسي حين تدّعي أنها لا تعبأ بالبحث عن الإعجاب. كذباً أكذب. قد أخلط بين العدوانيّة والاستغناء، لكن العدوانيّة شكل آخر من أشكال استرعاء النظر، بل هي أشدّها أنانية. في الوقاحة عصيان، وفي العصيان فروسيّة، لكنهما هما أيضاً شكلان من أشكال إثبات الذات المسرحيّة
قد لا أفرح لفرحِ راشدٍ ولكنّي لا أستطيع أن أظلَّ غير مبالٍ أَمامَ وجعِ طفل، ومَن يتأثّر للطفل ويشعر بالرغبة في إنقاذه أو حمايته لا بدَّ أن تتدرّج به الشفقة إلى الانعطاف لا على الراشدين فحسب، بل على جميع الكائنات. أصفى ما في الإنسان الرقّة وأرفع ما في الرقّة عناقُها للآخر أكثر ممّا قد يعانق نفسه. الرقّة نافذة يدخل منها نسيم البهاء والخَلْق، نسيمُ الشعرِ والموسيقى، نسيمُ العطاء والفداء
الإنسان مسكين، مخلوق ليقلق، يموت دون أن يشبع من الحياة، يخطئ ويكذب، يَستغلّ ويُذِلّ، لكنه لا يستحقّ أن يقال له «تستاهل!». ولا أن يُعامَل كمائت. طبعاً هو مائت، ولكنه لا يستحقّ أن يعامَل كمائت. أو ليُعامل كمائت بمعنى استحقاقه الحبّ أكثر لأنّه مائت.
لم يعد هذا العصر يسمع موسيقى جميلة إلّا أحياناً في السينما. إمّا الضجيج وإمّا الفراغ. نسينا أن الأشياء إيقاعات. وتحت كلّ أشكال الموسيقى يندرج رمل الشاطئ بذهبه الرتيب ينتظر زيارات الموج.
موجةُ هدهدةٍ تداعب الرمل المسفوح على أَرَقِه. موجات غَزَل. موجات حنين إلى مجهول تنبثق من حيث لا يدري صاحبها كيف كانت ستظهر. سلِ الموسيقى، الموسيقى التي تُسلّمها كيانك بلا تَحفُّظ، التي تتمنى لو كان لك أكثر من كيان لتسلّمها إيّاه، سَلْها ما وراءها، تعرفْ ما وراءك. وحدها، هذه الشِعْر الغاسل، المتبادَل بلا كلمات، هذه الشِعْر المخلوق مع المخلوق في المهد، وحدها تملك الجواب


نظرية الإحصاء
Theory of Statistics
اختبار صحّة الفرضيات
يتعلق موضوع اختبار الفرضيات بشكل رئيسي عندما نريد اختبار شيء ما نريد تغييره، آلة أو مجموعة من الآلات ما في مصنع ما نعتقد بأنّها السبب في ضرر ما في المنتج، فنجري اختبارًا إحصائيًا يُسمّى "اختبار الفرضيات".. والتي نضع فيه الوضع القديم "الحل القديم" في وضع مقارنة مع الوضع الجديد "الحل الجديد"، وبناء على النتيجة في النهاية، يمكننا أن نقرر إذا كنّا سنقوم بالتغيير أم لا. تكون الإجابة بالنفي أو الإثبات عادةً... النفي معناه رفض الحل القديمThe Null hypothesis وقبول الحلّ الجديد، والعكس بالعكس.
لو قلنا نعم، فإننا نقوم بقبول الفرضية المعطاة وأخذها كحلّ
Accept Null Hypothesis
وهو الافتراض الأصلي لنا، أي أن الوضع لن يتغير، وبالنسبة للمثال أعلاه، فإن المشكلة ليست في الآلة أو الآلات التي تمّ عليها الاختبار، فربّما هو خطأ من العاملين، أو من المواد الأولية التي تعطى للآلات!
وعلى العكس، لو كانت الإجابة بلا، فإننا نرفض الفرضية المعطاة..
Reject Null Hypothesis
بغض النظر وجدنا الحل الصحيح أم لم نفعل، فنحن نقول أن هذه الآلات هي سبب المشكلة. تعاملوا إذن مع الموقف.
مثال آخر على ذلك .
لدينا عدد معيّن من أعراض مرض ما، لنقل 3 أعراض معيّنة أ، ب وجـ.. الفرضية التي نريد نفيها أو إثباتها أننا إن وجدنا أ، ب وَجـ من الأعراض في شخص ما فإنه يعاني من المرض..
نقوم بعملية حسابية..تختلف درجة تعقيدها من مسألة لأخرى...نقبل في نهايتها هذا الفرض أو نرفضه..
مثال آخر..
لدينا العديد من أنواع الأعطال التي تصيب الغوّاصات، مقابل عدد كبير من ‘ الماركات’ إن صحّ التعبير للغواصّات، فرضنا أن نوع العطل يعتمد على ‘ ماركة’ الغواصة، ونريد نتيجة تخبرنا بصحة هذا الفرض.
وواحد أخير..
لو فرضنا أن توزيع البيانات Observationsالتي لدينا تتبع التوزيع الطبيعي Normal Distribution سنقوم بحسابات معيّنة على هذه البيانات نعرفُ منها في النهاية إن كانت البيانات فعلا تتبع التوزيع الطبيعي أم لا.. لو كانت الإجابة بالنفي لن نعرف التوزيع الذي تتبعه إلا بحسابات أخرى..
وعلى وجه العموم .. يوجد نوعان من الخطأ يمكن أن يحدث أثناء حل هذا النوع من المسائل، واحد منها ليس شديد الخطورة، بل وربما نعتبر وجوده صديقًا لنا !
النوع الآخر أكثر بشاعة.. ويعتبر كارثة إحصائية..
يوضح الرسم البياني مساحة الخطئين بالنسبة لحجم بيانات موزّعة توزيعًا طبيعيًا..

متى يحدث النوع الأول من الخطأ؟ - Type I error-
يحدث عندما تكون الفرضيَة صحيحة ومع ذلك أرفضها – لسبب من الأسباب- ربما يكون خطأ حسابيًا أو غيره..
النوع الثاني – والأبشع – ؟ - Type II error-
يحدث عندما تكون الفرضيّة خاطئة ومع ذلك أقبلها.. لأي سبب من الأسباب.
حسنًا..ما علاقة هذا كله بالفلسفة ؟
ربما لأنني أمسيتُ من عشّاق الرياضة، بما فيها فرع الإحصاء طبعًا فإنني أقوم بإسقاط ما أدرس -أقرأ- في الرياضة أحيانًا على حياتي الواقعية..
وجدتُ أن موضوع الأخطاء فعلا ينطبق على قراراتنا التي نتخذها / لانتخذها في حياتنا.. مابين قرار سليم لم نأخذه، وقرار غير سليم اتخذناه..
القرار السليم الذي نتركه تضيع منا بسببه فرصة رائعة..لكننا نعيش بعد ذلك لنلاقي العديد من الفرص، وقد – في مرة من المرّات- نتخذ القرار السليم حينها..
القرار الغير السليم الذي نتخّذه .. نكون حينها وكأننا قررنا تعاستنا بأيدينا.. كما الكلمات.. كلمة جميلة لم تقلها.. أنت تندم.. كانت ستدخل السرور على أحدهم، أو كان يحتاجها بينما بخلت بها، تبحث عن أقرب فرصة للتعويض، وتتنفس الصعداء.
بينما الكلمة الجارحة التي قلتَها؟ مهما ندمتَ.. مهما اعتذرتَ.. هل تستطيع أن تلغي تأثيرها؟ وإن حدث.. ألن تلعن تسرّعك ألف مرة عندما تتذكر الموقف؟
هل نتوقف عن اتخاذ القرارات إذن؟
كيف نعرف أن هذا القرار صحيح أم لا؟
ربما يكون هذا في طيّات رياضيات قادمة !
وإلى فلسفةٍ أخرى.
التفّ حولها الأطباء والممرضون كي ينقذوها من مرضها الخطير، والذي بات خطرًا على حياتها، كما يقول الأطباء. هناك شيء ما في دمها. لذلك سوف يجرون عمليّة لتغيير دمها بالكامل، بعد أن تأكدوا أنّ ذلك الشيء يسري في كلّ خليّة فيه. أفسحوا لها غرفة خاصّة في المشفى الكبير، وأهابوا بكبار أطباء المشفى أن يستعدوا لإجراء العملية دون خسائر. واجتمع من تبقى من أهلها يصّلون لأجل أن يشفي الله ابنتهم من مصابها. لم تصلح كل محاولاتهم السابقة لتنقية دمائها. ولم تصلح محاولاتها للحياة. مرّة بعد مرّة تفقد قواها وإذا بها محمولة إلى المنزل. والسبب، في كلّ مرة، نوبة إغماء حار في سببها الأطبّاء كثيرًا. حتى وصلوا بالصدفة إلى طبيب كبير جدًا في السنّ. أحد الناجين من الحرب الأخيرة، والتي تم فيها تصفية معظم البشر، وتحويل من تبقى منهم إلى آلات. عرف تشخيص مرضها بسهولة، قال لأقربائها: ابنتكم عاشقة. وتعجبوا. ماذا تعني يا طبيب؟
قال بتأثّر شديد وانفعال: بعد الحرب لم يعد أحد يصاب بهذه الأشياء. يا إلهي كلّ هذه الأشياء اختفت. نظر إلى العيون الحائرة أمامه، قال: سأشرح لكم. أصبح النّاس يتزوجون كي ينجبوا. وينجبوا كي يثبتوا فحولتهم وأنوثتهن على حدّ سواء. آه لن تفهموا. هل كانت ضمن تنظيم ما جعلها لا تصاب بما أصاب البقيّة؟
أخبرهم أنّ الحبّ كان لابدّ أن يجمع القلوب والألفةُ الأرواحَ قبل أن تجتمع الأجساد. وأنّ المحبّين لا يكتفون بالحديث الآلي. ولا يروي ظمأهم سوى لقاء العيون واحتواء الأكُفّ وتطابق الضلوع. وكانوا يبحثون تحقيق الرغبة في الاختفاء داخل أحضان الحبيب للأبد. وأنّهم، كانوا يرفضون أن يفصل الأطباء الأجهزة الطبية عن المريض مهما كان لأنّ مجرّد بقاءه حيًا يمنحهم شعورًا آخر كان يُطلق عليه الأمل. وهو تطلعهم إلى شفائه ورجوعه إليهم. ليس كما الآن. إن تعطلت أجهزة أحدهم قاموا فورًا بفصله من الحياة إجبارًا. ليجلبوا غيره بمواصفات أفضل.
وسألها عن عشيقها فقالت بوهن أنّه قُتِل في الحرب بين ذراعيها ومات على صدرها. وحَكَتْ لهم عنه كثيرًا. وكيف أنّها لا تقوى على البقاء على قيد الحياة دون وجوده على قيد الحضور القريب. وغفت. بينما كانوا يتطلّعون إلى دموعها بذهول. لم تفعلها أمامهم من قبل. لم تبكِ أمامهم من قبل. مدّ أحد أقربائها يده يمسح بعض دمعها بتعجّب، ويتأمله طويلا، وبتلقائية تذوقه. وجده مالحًا. سأل الطبيب بقلق آلي. فطمأنه ألا يخاف. ألقى نظرة على الفتاة البائسة التي غفت باكية. أخبرهم أنّ الحزن كان أحد المشاعر النبيلة التي كانت موجودة قبل الحرب. وكان من الطبيعي أن يحزن الشخص عندما يفقد الأشخاص الذين يحتلّون مكانة خاصّة لديه. وأن يبكي عندما يتذكرهم. ويفتقدهم.
تطلّعوا إلى الطبيب وعلى وجوههم تبدو محاولات فاشلة لفهم ما يقول، وكأنّه يحكي قصصًا خياليّة. جاءت إحدى الممرضات فجأة بعين لامعة بالدمع. همست للطبيب العجوز ببضع كلمات. فاستأذن على عجل. مرّر يده على جبين الفتاة الراقدة على السرير الأبيض. همس في أذنها بخفوت شديد لم يسمعه أحد: لو أنّ الأمر بيدي لحميتك. لكنني مُطارَد يا ابنتي. لا تدعيهم يُبدّلوا دَمَكِ. لا تسمحي لهم بذلك. اعشقيه حتى النخاع. أو ارحلي إليه.
تمت
The happiness of men consists in life. And life is in labor.