11 July, 2011

شرخ خفيّ

لا يمكن أن تكون رؤية الأحِبَّة والاغتسال بطيب الإله يجلبان الاكتئاب والوحشة المفاجئة؛ هل يمكن أن تكون رؤية الأحبة والاغتسال بطيب الله هي أسباب الاكتئاب والوحشة المفاجئة؟

أم أنَّ الانقطاع عن رؤية الأحبة وفروغ زجاجة العِطْر التي تمدَّنا بروح الطاقة؛ تعلن أنَّ طاقة الروح بحاجة إلى إعادة شحن فقدنا قابسه؟

لا يمكنُ للأشياء أنْ تكون بهذا الوضوح والتحجيم عندما لا يكون لدينا عوينات، ولا نكون من هواة المناظير ولا المجاهر الالكترونية، وخاصَّة .. أننا ربما نكون قد فقدنا البصر منذ زمن!

شيءٌ ما؛ كقطعة بازل في غير محلِّها؛ أحاول الوصول إليها بسرعة قبل أن أمَلّ، لا يمكنني أن أصاب بالملل من هذه اللعبة، لأن الخسارة فيها لا تعني شيئًا سوى الموت.

ربما ما سُكِتَ عنه، ما تُجُوهِل وقتًا طويلا لأسبابٍ تبدو الآن واهية، أيَّ شيء لاكتمال القطعة. لأنني، قطعًا، على يقين من جمال الصورة.

مرفقات:


05 July, 2011

إنَّه لجهادٌ عظيم

أصعب من مجاهدة العدوّ وقِتَاله؛ أصعب من أن تَقتُلَ أو تُقتَل؛ أن تجاهد نفسك التي بين جنبيك؛ وإنْ كان عقلك الذي سئم تكاليف الحياة قد انشقّ على نفسه قسمين؛ وأصبح القسم الأحلى والأغلى والأكثر حضورًا هو الذي يقوم بتحقيق كُلِّ أمانيك في عالَم آخر موازٍ بحيث لا تحتاج للحياة بنصفِكَ الأرضيِّ؛ أو تكتفي منه بنصف حياة مع أنصاف بشر؛ فإن جهاد النفس يكون أكثر صعوبةً وإرهاقًا. فلن يكفيك أنْ تقوم بمحاولة الوصول لهدفك – الذي لا تعرفه بعد – وإنما عليك الاستيقاظ أولا، وجمْعِ أجزائك أولا، ولملمةِ شتات نفسِك أولا، وهذا لا يحدث يا رفاق بين يومٍ وليلة.. وقد لا يحدث أبدًا.

01 July, 2011

يوم مولد مجد


مجد ورائد .. رائد ومجد.. وأبوهما؛ هم كلّ حياتي.. يوم مولد مجد اقترب، ستكمل الثامنة عشرة وقد أصبحت امرأة كاملة منذ عام، امرأة جميلة رشيقة تحمل بشرتها لون والدها الأسمر الصافي، شعرها أسود كالليل تتركه طويلًا جدًا ثم تقصّه فجأة مثل أخيها قائلةً حين تُسأل أنَّ الأنوثة لا تقاس بطول الشَّعْر؛ وأتذكر نفسي وقت كنتُ في عمرها؛ فأبتسم وأفسح لها عقلي أكثر؛ بينما كان الأطفال ينمون كان طفلاي ينضجان؛ وهو شيء جيِّد لو لم يكن لي أصدقاء أو أنني لا أريد أن أمارس الكثير من الأمومة!

مجد؛ اسمٌ على مسمّى؛ كان اتفاقي مع أبيها أنْ أسمّي الفتيات فيما يسمّي هو الأولاد؛ كنتُ قبل أنْ تتكوَّنَ داخلي بوقت طويل أحلم حلمًا ما فتئ يراودني يوميًا تقريبًا؛ كنتُ أرى امرأة في غاية الجمال تقف فوق السَّحاب؛ لم تكن كالبشر في البهاءً والرِقَّة. وكنتُ أفهم – في الحلم – أنَّ اسمها مجدًا.

عندما قالت لنا الطبيبة أنَّنا ننتظر فتاةً؛ تذكرتُ الحلم فورًا وقررتُ أن يكون اسمها مجدًا؛ قال لي زوجي فيما بعد أنّه مستعد لأن يتنازل عن حقّه في تسمية ابننا لأنّني فعليًا لم أختر اسم البنت وإنَّما "اختير لي"! لكنَّه – ككل الرِّجال – لم يكن يعنيها تمامًا! لم أحاوِلْ أن أتمسَّك بعرضه الكريم على أيَّةِ حال، وفات أوان إثبات صدق نيَّتِه.

مجد.. أكثر أنوثة وروعة منْ أن يستحقها رجل آخر. كُلُّ الشواهد تؤكد كلامي؛ جمالها الرقيق؛ صوتها العذب؛ ابتسامتها الساحرة؛ عقلها .. وآه من عقلها، حُبَّها اللا محدود وعطاءها النقيّ الصادق؛ لا أرفض لها طلبًا، وإن اعترض أبوها قليلا فإنَّه لا يستطيع أنْ يفعل شيئًا، ماذا يملك أمام امرأتين واحدة تعشقه والأخرى يقدّسها؟ 

مجد؛ لا أكاد أصدّق أنَّ هذا الكائن نتاجي أنا.. أشكر الله ليل نهار على نعمته التي ما كنتُ لأفهمها يومًا دون أنْ أجرّبها.

مجد.. كان يومًا جميلا، يوم قرَّر الله أنْ نقع أنا وأبوك في الحُبّ.

22 June, 2011

اكتبني لأفهمـ ـكـ

ـــ ماذا تكتب؟
ـــ ما أحاول أن أفهم.
ـــ متى تفهم؟
ـــ غالباً عندما أكتب.
ـــ وماذا تفهم عندما تفهم؟
ـــ أن الكتابة هي أكرم أشكال العناق.
ـــ اعترفْ بأنّ ما يحتاج فعله إلى دقائق عند سواك يحتاج عندك إلى سنين. اعترفْ وقل لي السبب.
ـــ الخوف من أن تذهب الروح مع الفعل. الحياة هي مجموع ما نؤجّل.
ـــ ما هذه النظريّة السخيفة. الحياة أفعالنا وليست العكس. العكس هو النوم عن الحياة.
ـــ هذا ما تظنّه، وبعد أن يمضي الوقت تجد أن الحياة ليست ما فَعَلْنا بل ما لم نفعل، وآثارنا الممحوَّة هي التي تنفخ الروح في آثارنا الظاهرة.
ـــ ماذا يقول لك ابن السنين السبع الناظر إليك بعينيه اللتين تأكلان وجهه؟
ـــ يقول لي بأبلغ ما يكون ما سوف يجتهد لقوله كبيراً لسائر الكبار ولن يستطيع.
ـــ مثلاً؟
ـــ أَنّه وَجَد الأشياء قبل أن يستيقظ ويبدأ في البحث عنها.

■ ■ ■
 
ـــ لم أتوصل بعد إلى إيجاد الرابط بينك كشخص يوميّ وبين كتاباتك.
ـــ الشخصان اختراع مَنْ يراهما.
ـــ أَمَا من حقيقة في هذين الشخصين؟
ـــ عبوديّة التظاهر عند الأوّل وحريّة التخفّي وراء زعم التعرّي، عند الثاني.

■ ■ ■
 
ـــ هؤلاء الناس الذين يَعْبرون الطريق...
ـــ هؤلاء الناس الذين يستثيرون غيرتنا لأنّنا نظنّهم أفضل منّا حالاً.
ـــ أليسوا فعلاً كذلك؟
ـــ هم كذلك ما دمنا نشاهدهم لحظتين، قبل دخولهم وراء الجدار، هناك حيث الأشياء مرعبة، وحيث الأسوأ في هذه المرعبات أنَّ رأسها فراغ وذيلها وَجَع.
ـــ أما من مُفْرحات؟
ـــ كثيرة، أوّلها الهواء وآخرها الهواء وبينهما استعداد الآخرين لتقديرك أكثر ممّا تستحقّ.
ـــ والطعام والشراب والصحبة...
ـــ ... واللهو والحلم والأيّام المتثائبة في رتابة الأمان.
ـــ رتابة!؟
ـــ تصبح منتهى الطموح.
 
■ ■ ■
 
ـــ نتابع حياتنا إكراماً لصور البداية. تكاوين المَطالع هي الأساس، وما يليها يحاول أن يكون أو أن لا يكون خيانة لها.
ـــ شيءٌ من هذا، ولكنْ ليس حتماً ولا دائماً، فأحياناً نتابع حياتنا إدماناً أو تطلّعاً إلى مجاهل.
ـــ ونصادف مجاهل؟
ـــ نصادف ما نحسبه مجاهل.
ـــ أليس كل هذا لَغْواً؟
ـــ بالطبع.
ـــ وماذا عن الصمت؟
ـــ صمتُ الرجل مخيف.
ـــ والمرأة؟
ـــ يجلس صَمْتُها أمام جسدها كما يجلس أبو الهول أمام أبواب الآلهة.

■ ■ ■
 
ـــ سنكتب ما حكيناه؟ وماذا نكتب بعده؟
ـــ نكتم سرّاً آخر.


أنسي الحاج

09 June, 2011

في كَبَدْ



في يومٍ ما؛ بينما أعود من العمل مع صديقتي في باص من دمنهور للاسكندرية، والمسافة تقريبًا ساعة إلا ربعًا، إذ بي أجد امرأة واقفة بجواري، غمزت لي صديقتي أن أعْرِضَ عليها أن تجلس، فقلتُ لها: لكنّني لا أريد أن أقف، الباص كان متوقفًا وهي ركبت وهي تعلم أنَّه لا مكان فارغ لتجلس به، وقررتْ أنْ تبقى!
قالت لي: أخبريها أنتِ ثم أنا سأقوم لها!

قلتُ لها: حسنًا ما دام الأمر كذلك!

وعرضتُ على المرأة أن تأتي لتجلس، فرفَضَتْ فلم أكرّر العرض. فالتفتُّ فإذا بصديقتي "تشيط" حنقا عليّ، أنْ لماذا لم ألحّ في طلبي؟ فبالتأكيد ستقول لا في المرّة الأولى، لأنّها مُحْرَجَة، وعليّ أن ألحّ مرات عديدة كي أجبرها على الموافقة!

وهنا قررتُ أنْ ألعب مع صديقتي الطيّبَة لعبة.. (كنتُ ضحيتها من قِبَلِ أحد الأصدقاء قَبْلًا).

بدأت أسألها لماذا تريد – حقًا- وبهذا الإصرار أن تقوم للمرأة؟ ولماذا يضيرها سكوتي من أوّل مرة حقًا؟ فقالت أنّ ضميرها يؤنبها لأنّ الناس غالبًا ترفض ظاهرًا لأنها تريد أن تشعر حقًا أنّك تريد أن تفعل هذا الشيء.. أيّ أن إلحاحي في العرض معناه أنني حقًا وصدقًا وقلبًا وقالبًا أريد لها أن تجلس ويدلّ على رضاي التامّ الكامل الشامل بأنْ أبقى واقفة!
فقلتُ لصديقتي أنّها تريد أن تفعل ذلك فقط لإرضاء ضميرها لا لكي تجلس المرأة! وأنّها في عُمقِ نفسها تريد أنْ تشعر بالرّضا عن نفسِها لذلك قامت بالعرض بالأساس، أيّ أنَّ الأمر كلّه أنانية، وعندما رفضتِ المرأة فإنّ ذلك يؤثّر سلبًا في هذه النقطة لديها فلذلك تشعر بالأسى!

ولا أريد أنْ أقول أنني اتُهِمْتُ بعدها بالجنون والأنانية والتفكير الماديّ البحث والبُعد عن الإنسانية!


يقول يحيى: "حين يقول شخص ما: أحب ذاك الشخص. أو: هذا الشخص صديقي. أو إلى غير ذلك، يمكن وضع ترجمة طويلة لما يعنيه بالتالي: هذا الإنسان يمنحني بعض ما ينقصني، وهو بهذا يغنيني عن هذا النقص، مما يجعلني بحاجة له كي لا أعود إلى النقص، واحتياجي له كي أستفيد منه يقابله بعض المَنْحِ مني له كي يستفيد مني أيضًا، و إلا فلن يبقى، عملية الاستفادة والمَنْحِ تلك نسميها باسم شعور ما." !

يُفسّر المسيري ذلك بأنّ العلاقات تنقسم إلى تعاقدية وتراحمية، التعاقدية ليست شرطًا أن تحتوي عقودًا كما يوحي اسمها، إنّما هي تلك التي يتفق طرفاها – وأحيانًا دون كلام – بتبادل الخدمات، والتراحمية هي التي تكون باختصار "خالصةً لوجهِ الله"؛ فلا ينتظر الشخص الذي يقوم بعلاقة تراحميّة أنْ ينال مقابلا..
وكان يصف الزواج بأنَّه علاقة تعاقدية مبنيَّة على التراحم. ويقول أنَّ هذا أفضل تفسير توصَّل إليه، بعد حيرته طويلًا في استيعاب ميكانيزم العلاقة الزوجية، وهل هي معتمدة على العاطفة أم على العقل.
كنتُ أتسلّى بتفنيد العلاقات عندما قرأتُ تفسير المسيري لها، والذي أجابَ على حيرةٍ عندي كانت تتعلّق بالإخلاص، كنتُ على شفا إنكارِ شيءٍ اسمه "عمل شيء ما لوجه الله" -  ليس اقتناعًا بـرأي "جوي تريبياني"! - خَفف حديثه كثيرًا من كُفْري هذا وإنْ لم يمحه بعد..

لا أذكر من قال: "ليستِ الأنانية أنْ تعيش كما تشاء، بل الأنانية أنْ تريد أنْ يعيش الناسُ كما تشاء." ربّما الرافعي، وهو محقّ تمامًا، تذكرتُ فورَ أن قرأتَها أنَّ أمّي كانت تتهمّني بالأنانيّة لأنني أهتمّ بنفسي وأعيش حياتي كما أحِبّ ولا آبَه كيف سيفكّر فيّ النّاس ولا أهتمّ لأقوالهم وآرائهم فيّ، أدلّل نفسي تمامًا وهذا ما تراه هي أنانية، أنني لا أفني ذاتي في خدمة الآخرين كما تفعل هي! وأنا أرى أنّها تفعل ذلك فقط لتشعر بالرّضا الذاتي! – الإنكار إيّاه – بينما أنا أنال الرِّضا الذاتي من مصادر أخرى. – تمويل مَحلِّي! –

وبين الشَكِّ واليقين؛ يكون الإيمان. أو كما قال الرسول عليه السلام لأصحابه عندما سألوه أنَّ نفوسهم تحدّثهم بما لا يمكن النطق به أبدًا.. "ذلك الإيمان".


 الحل كما يقول يحيى: "وبالرغم من أننا خلال عملية تطورنا تلك نشأ بنا مفهوم احتقار التفكير النفعي، إلا أنه لا داع للخجل من كون جميع روابطنا الاجتماعية قائمة على النفع فتلك طبيعتنا، نحن لسنا آلهة، والنقص متأصل بنا إلى حد لا يمكن انتزاعه، هذا النقص الذي في ظلاله نضطر أن نكون سلالة نفعية اجتماعيًا."

28 May, 2011

قالوا سلاما

الأجدى أن يكون للتنمية البشرية اسمٌ آخر هو "التنمية الذاتية"، لأنَّ الإنسانَ لا يتغيَّر إلا إذا أراد ذلك حقًا، صحيحٌ أنَّ البَشَر قد يتّبعون شخصًا ما إذا كانَت به صفات القائد، قرأتُ أنَّ معظم البشر يخشون اتخاذ قراراتٍ حاسمة في الأوقات الصعبة ويميلون لاتِّباعِ إرشادات أحَدِهم عنْ أنْ يقرّروا بأنفسهم، ولا أدري إنْ كانت هذه دلالة على أنَّ رهبة المسؤولية شيءٌ عميق متأصِّل في الإنسان، أمَّ أنّه نتيجة توقّف التفكير السليم نتيجة المواقف الصادمة عندما تأتي فجأة.
عودةً إلى التنمية الذاتيَّة، يقول أحدهم: "إذا أسأت إليَّ مَرَّة فأنت مخطئ، إذا أسأتَ إليَّ مرَّتين فأنا المخطئ".. أو كما قال الرسول الكريم: "لا يُلدغُ مؤمن من جُحْرٍ مرَّتين"، والمؤمن هنا لا يعني – برأيي – الصائم القائم، وإنَّما مؤمن القلبِ سليم الطويَّة نَقِيَّ الخاطر ذو الحِجَا.
وذو الحِجَا هو الذي يملك العقل والفِطْنَة.. هو الذي يتعلّمُ من كُلِّ موقفٍ يمرُّ به، ولا يسمحُ لما جرحه في السابق أنْ يُعيدَ أذيّته مرة أخرى، ويستطيع التوصّل إلى سلام نفسيّ مع نفسِه وتوحّدٍ مع ذاته، فكلّما قَلَّ التناقض بين ذاتِك الداخلية، وبين ذاتِك الاجتماعية قَلَّت المشاكل كثيرًا.
وذاتك الداخلية هي أفكارك، تساؤلاتك الحائرة والدقيقة، تأملاتك الأثيرة وحواراتك الخاصَّة جدًا مع نفسِك، والتي لا يطَّلِع عليها سواك، ولا تُشاركْها مع أحد أبدًا، والتي تحاول أحيانًا – أو لا تحاول – غربلتها ذات وقت فراغ لترى ما يصلح منه للمشاركة مع شريك حياتك، وأيُّها لا يصلح. وتتساءل إنْ كان الانفتاح الكُليُّ حتمًا وضرورة أم خيارًا بحسب الظروف.
وذاتك الاجتماعية هي أنتَ مع النَّاس، الناس الحقيقيون الذين تتفاعل معهم، وتتبادل معهم الأوراق النقدية وتجلس معهم لتتحدث لتتفق أوتختلف معهم، النَّاس الذين تمرض وتصحو وسطهم، الذين تعطس بينهم فيقولون لك: يرحمك الله، لا الذين تتحدث إليهم عبر أروقة الانترنت وتقوم بالإعجاب بأطروحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ."أكره هذا التعبير، لكن لا يحضرني غيره الآن".

كُلَّما قلّ هذا التناقض بين الاثنين، كلّما استطعت الوصول إلى السلام النفسيّ المنشود بينك وبين نفسك من جهة، وبينك وبين العالَم، وانسجمت مع الحياةِ أكثر، لتصل إلى مرحلة تستطيع فيها إمتاع نفسِك بما لا يراه غيرك ممتعًا، لأنَّك مؤهل لذلك، لا لأنَّ الأشياء ممتعة.

ولكن ليس هذا ما أردتُ الحديث عنه!

أردتُ الحديث عن الدبلوماسيَّة في الحوار، لماذا يحصل البعض دائمًا على ما يريدون من الآخرين بينما تتعثّر أنت دائمًا في ذلك؟
لاحظتُ أنا أنَّ إخوتي الذكور يحصلون دومًا على دعم أمّي سواي، وأشعر الآن أنَّني على منصة TED  بشكل ما! أو أنّني أترجم مقالا عن التنمية الذاتية!
ما علينا..
وجدتُ أنَّ الفرق أنّهم يتواصلون معها عاطفيًا أكثر مني، عندما يطلبون شيئًا، يجيئون إليها ويُقَبِّلونَها ويسترضونها حتى ترضى، بينما أطلب أنا عن بُعْد – ربما أحاول احترام الهالات الشخصية للآخرين – وبطريقة أكثر رسميَّة، وأفشل دومًا!
وعندما جرّبتُ طريقتهم نجحتُ!
فهل أنا منافقة؟ - هذا موضوعٌ آخر سأكتب فيه قريبًا بإذن الله !-
لكنني لا أعتقد مبدئيًا أنني منافقة، طالما أنَّ هذا الأمر يُعجِبها ويمكنّني من نيل ما أريد، وطالما أنَّ الأمر لا يخرج عنه أيّ أذى لأي طرف.

بالمثل نكون في حواراتِنا مع الآخرين، تخيّلوا أنَّ زوجًا عزم زوجته على حفل عشاء مع أصدقائهما وأرادها أن تأتي معه، لكنّ ظروفها تغيّرت في ذلك اليوم لسبب ما ولم تشأ أن تذهب، فقالت له: "اذهب أنت فلن أذهب"، بينما تخيَّلوا ردّ فعل هذا القول: "ما رأيك أن تبقى معي فأنا أشعر بالتعب ولا أريد أن أخذلك"، مثلا، ستقولون أنَّ هذا حُلُم ولا أحد يتعامل بهذه الطريقة خاصَّة الأزواج !!
ربّما لأن الكلام بالفصحى فالأمر يبدو كأنه خارج من كتاب أجنبيّ مترجم، لكنني ترجمتها إلى اللهجة المصرية ووجدتها أفضل أيضًا!
في القول الأوّل قامت المرأة بإصدار بيان إلى الزوج أو ما يشبه الأمر، وكأنّها اتخذت القرار وحدها، وهذا يغضب الرجال كثيرًا، آباء وأزواج وحتى ربما زملاء عمل. أغلب الظنّ أنّه جين ذكوري!

في قولها الثاني لطفٌ أكثر، حتى لو كان الذهاب مهمًا بالنسبة للزوج فسيذهب بدونها لكنّه لن يكون ساخطًا، لن تكون ساخطة، وعلى رأي اللي قال: everybody is happy !

طريقة حوارك مع من أمامِك مهمّة جدًا، ولكي تستطيع تقييم نفسك، حاول تذكّر حواراتك الفاشلة والناجحة ولاحظ الفرق في طريقة تقديمك لطلبك، لأنَّ حصولك على ما تريد دون أن تخسر الطرف الآخر هو دليل نجاح الحوار.
أنا شخصيًا لا أطبّق ذلك مع أقرب أصدقائي، أقول لهم ما بقلبي فورًا وبدون أيّ تصنّع، لأنني أعرف أنّهم سيفهمون بالضبط ما أعني، ولن يقوموا بتحميل كلامي أكثر أو أقلّ مما يحتمل.
بينما أضطر لفعل ذلك مع الآخرين.
ولا نحتاج إلى الكذب – كما يفعل الكثيرون – كي نعتذر عن أمر، أو نفعل آخر، نحتاج لتهذيب صادق وحسب.
كُلّ ما تحتاجه للبدء يقينٌ تامّ بأنَّك ستصبح أقوى، ستعرف كيف توصل وجهة نظرك كاملة إلى من أمامك، ستحصل على ما تريد.
الشرط الوحيد بسيط: لا تخسر نفسك.

ونستنتج من ذلك، عليك أن تتزوّج أقرب أصدقائك لترتاح من كُلِّ ذلك الحساب!


18 May, 2011

ترمي بشرر


رواية طويلة؛ طويلة؛ ثقيلة الوزن ثقيلة الكلماتِ ثقيلة على الرّوح .. للكاتب السعودي "عبده خال"


لو أنَّك في حالة انعدام وزن؛ تكره الدّنيا وتحتقر البشر؛ ربما ستعينك هذه الرواية على الانغماس بحالتك أكثر؛ وربّما تقوم بإخراجك من حالتك عندما تعرف أنَّ حالَك أهونُ من حالِ غيرك؛ بينما لو كنت من النوع الرقيق الهشّ الذي يتأثر بكلمة ويبكي لها أيَّامًا وليالي، فلا أنصحك أنْ تقرأ الرواية أصلا؛ لأنّك ستصاب بالاكتئاب وربّما تستيقظ فزعًا من نومك كي تتأكّد أنّك في بيتِك لا بيتِ الأمير؛ حيث مبدأ القصّة ومنتهاها.


"طارق" .. اسم جميل لشابّ أراد الخروج من فقر حارته التي نشأ بها في إحدى ضواحي جدّة؛ فشاء له سوء حظّه؛ وقدره العاثر؛ أن يعمل في قصر الأمير، الذي لا يعرف أحدٌ اسمه؛ لا يجرؤ أحد على نطقه، الكلّ يشير إليه بـ "السيّد"..
السيّد الكبير توفّي؛ وجاء بعده ابنه؛ السيّد العابث..

في كلّ أرجاء الرواية تفوح رائحة الأموال المحرّمة، والمتعة المحرّمة، والتقزّز الواجب.. ترميك من أعلى مصافّ الإنسانية إلى أقعى قيعان الانحطاط البشريّ، تصوّر ما يمكن أنْ يصل إليه الإنسان إذا نزعتَ عنْه الضّمير تمامًا، منحته النفوذ المطلق والقوّة والمال والسلطة والجاه، ثمّ لم ترسِل أحدًا ليحاسبَه..!

مهنة "طارق" في القصر كانت محدّدة منذ اليوم الأول، ستقوم بهتك عرض منْ يغضب عليه "السيّد". عندما يريد "السيد" أنْ يمنح أحدًا درسًا أو يكسر عينه أو يريه من الأقوى، يرسل له "طارق"، فيقوم بمهمّته القميئة أمام أعين "السيّد" الظافرة.
في القصر، كُلُّ شيءٍ مُسَجَّل، كُلّ همسة، كُلّ حركة، كُلِّ انتهاك، حتى وصل الأمر إلى بيوت من يعملون به أيضًا، كُلّ شيء مسجّل، وهذا أوّل بند غير مكتوب في لعبة الحقارة والخسّة، "سيكون لديّ ما يدينك ويذلّك ويذهب بك خلف كوكبنا هذا فعليك أنْ تكون صاغرًا على الدوام.."

"تهاني"؛ حُبّ طارق الأوّل والأخير، وكما يقول عنها أنّها الطّهر الوحيد في حياته المليئة بالقذارة، الطهر الوحيد، قام بتدنيسه في ليلةٍ مشؤومة كانت سببًا في أنْ يقتلها أبوها ويداريها التراب. ولا تعرف أمّها ذلك إلا بعد عشرين عامًا منْ مقتلها.

"تهاني" .. الصبيّة اليافعة التي أحبَّتْ شيطانًا في جسدِ إنْسان. ومنحتْه كُلَّها ذاتَ ضعْفٍ فكان ضريبة ذلك أنْ تمنح روحَها. وتصمِت للأبد.

ونساءُ القصر نوعان؛
زوجة السيّد وبناته وأمّه، أو بلفظ آخر، الأميرات، وخادماتهنّ. والنوع الثاني: نساء المتعة، وهنّ كُثْرْ .. واللواتي أصبح إعطاؤهنّ أموالهنّ وظيفةً أخرى لـ "طارق"..
الهاربات من بيوتهنّ، المطلقات في سنّ صغيرة والمتزوجات قهرًا وزوجاتٍ للمبادلة أو عِوضًا عنْ مال غير موجود!

بينما الذكور هناك نوعٌ واحد؛ تتبرأ منهم السماء وتلعنهم الأرض.

يقول "طارق" بعد أنْ تزوجت أمّه بعد فترة قصيرة من وفاة أبيه: " يبدو أنَّ المرأة تمنحك الجسد للمتعة، وتضنّ بقلبها عليك، تبقيه نابضًا حيًا، لتوفر مشاعرها الفياضة وتسكبها على أبنائها، هذا في المجمل، أما أمي فذكرياتي معها مشوشة، وكلما اكتشفت شيئا من سيرتها، عدت أنقّب في ذلك التشويش عما ينفي أو يثبت صحة المقولات التي تصلني"
ويقول في أثناء فِكْرة: "تكون إنسانيًا مع المرأة عندما لا يكون لك مغنمًا بها، أما إذا تحركت شهوتك نحو جسدها، فكلّ فعل إنساني تقدمه لها إنما هو إجادة متقنة للفخ المعدّ لاصطياد جسدها..."


شعرتُ بانقطاع السرد أحيانًا في الرواية، كأنّي أعرف أنّ الكاتب هنا قد أخذ عطلة، ثم عاد ليكملها فيما بعد، وهو أمر منتشر في الروايات السعودية عمومًا، ولا أدري لماذا، وهذا ليس رأيي وحدي على أيَّة حال.


كما أنَّ الرواية ليست من عالَمِ الخيال؛ بعض السعوديين ومن عاشوا في السعودية يؤكدون واقعيتها، لذلك عليك – بعد أن تنتهي الرواية – أنْ تُعيد وضوءك، تغسل روحَكَ بالحبيب ثلاثًا، ثمّ لا تحاول التفكير كثيرًا في أنَّ هناك بشرٌ مثل "طارق" و"السيّد" .. يمشون على الأرض!


أخيرًا؛ يمكنني القول بِكُلِّ ثقة: اكتب في روايتِك عن الشذوذ والجنس والجنس، ودُسَّ بعض الحَكَايا؛ وستضمن جائزةً ما!


17 May, 2011

حنين

صعد درجات المنزل وجِلا .. هل يجدها يا ترى؟ بينما تجتاحه الذكريات .. يتذكر كيف كانت مشرقة دومًا .. كانت الشيء الجميل في حياته الصغيرة ..

تذكّر .. منذ متى لم يعزف؟ ياللزمن البعيد .. كيف كان لا يكفّ كل يوم عن العزف .. لكنه الآن لم تلمس أنامله البيانو منذ سنوات طوال .. بعمر هجرته إلى كندا ربما .. وربما أكثر بقليل.

دقّ الباب بيده اليمنى وبيسراه علبة من الشوكولا الفاخرة.

لا أحد يردّ خلف الباب .. ولا أحد يفتح.

هل رحَلَت؟ لا يتصور أن يترك البلد مرّة أخرى دون أن يراها .. أنْ يحادثها ولو قليلا .. لا يمكن أن تكون رحلت.

جاء البوّاب حاملا كيسًا به بعض الحليب .. وضعه بجوار الباب وقال: لا تطرق الباب .. ستفتح هي وتأخذ الحليب ..

وقبل أن يعود من حيث أتى .. تساءل بصوت مرتفع: أنت أحد أقرباءها؟

أجاب بدون تردد : نـعـم.

كيف لا يكون أحد أقرباءها وقد تدرّب على يديها عدة سنوات؟ لم تكن معلّمة فحسب .. بل كانت أمًا ومربيّة فاضلة .. لا يستطيع أن ينسى كل تلك الذكريات في رأسه.

استطرد البوّاب: حبّذا لو جاء أحد للسؤال عليها من حين لآخر.

أجابه أن نعم.

وذهب ناحية الدرج، اتّكأ على الإفريز .. وانتظر.

بعد قليل فُتِحَ الباب لتخرج امرأة كبيرة في السن .. تأخذ الكيس .. ذهب الرجل ناحيتها قبل أن تغلق الباب .. حاولت أن تغلق الباب في وجهه لكنه صرخ قائلا أنا رائد ساعتها حدّقت بوجهه .. التقطت عويناتها من فوق صدرها ونظرت إليه.. ثم ظهرت على وجهها أمارات الرِّضا.
قال لها بينما تعود للداخل :
-
هل أستطيع الدخول؟
-
نعم .. أغلق الباب خلفك.

وضع علبة الشوكولا على الرف .. وجلس ينتظرها ريثما تقوم بإعداد الشاي.

رأى البيانو القديم .. في مكانه كما هو لم يتحرك، قام ليعزف عليه .. ويتذكر صباه .. بعد مقطوعة صغيرة
سمع صوتها : برافو ..
لم تنسَ.
-
منذ زمن لم أعزف.. لكن هذه أعرفها جيدًا.
-
ما الذي منعك؟
-
العمل.

قالت فجأة: نسيتُ الماء على النار .. سأقوم بعمل شاي لك . قال لها: كلا لقد شبعتُ منهما .. كلّما دخلتُ مكتبًا شربتُ شايًا أو قهوة. ارتاحي أنتِ .. أتريدين أن أعمل لكِ شايًا ؟
-
لا .. فقط أطفئ الغاز .. وأحكِم إغلاق الأنبوبة فهي تقوم بتسريب الغاز.
-
حسنا.

-
جلبتُ لك شوكولا من مطار زيونيخ خصّيصًا.. خذي تذوقيها. أخرج واحدة قام بفتحها لها وناولها إيّاها .. فأكلتها بتلذذ طفلة بلعبتها الأولى!
-
لماذا هاجرت؟
-
إنها الحياة.

أخذا يتحدثان .. يتضاحكان ويتبادلان الذكريات.. ومرّ الوقت بهما دون أن يشعرا.

حتى حان وقت الرحيل... تبادلا السلام على الباب .. قبّلت يده .. وقبّلها شاكرًا ..

وذهب.



إلى هنا انتهى الفيلم - بطولة ماجدة الخطيب- بتصرّف مني لأن ذاكرتي تقوم بعمل أفضل مصفاة لم تُصَنّع حتى الآن .. ما أحببته في الفيلم أنه صوّر تلك العلاقة الجميلة بين الطالب والمعلّم وألقى عليها الضوء..

علاقة لا تحدث كثيرًا .. أو أنها تحدث لكنّ أحدًا لم يفكر فيها بهذه الطريقة..

اعتدتُ أنا أن أزور مدرستي الثانوية .. لم أفعل هذه السنة .. لا أدري هل لأن المعلمة الوحيدة التي أهتم لأمرها وتتذكرني عندي في قائمة المسنجر .. أم خوفًا من أن أفاجأ بسقوطي من ذاكراتهنّ.. هن اللاتي يمرّ عليهن مئات الطلبة كل عام .. لا أدري

ربما السبب أنني فاقدة الإحساس بالزمكان .. سأتحدث عن هذا لاحقًا في موضوع آخر .. فقط ذكّروني !

وربما أفعلها وأذهب . لا أحد يدري ما قد أقرر في لحظة جنون .

العلاقة بين المعلّم .. والطالب .. منذ صغري وأنا أراها مميزة .. خاصة .. احترام متبادل .. وحب قد يكون من جهة الطالب أكثر .. لأنه ينبهر غالبًا بما يحمله أستاذه من معلومات وما يمنحه من نصائح دون حتى أن يشعر .. أتحدث هنا عن بعض المعلّمين ..

لأن هناك من لا يستحق شرف أن يكون معلّما .. هؤلاء لا أتحدث عنهم ..

أتحدث عن ورثة الأنبياء .. الذين يعلمّون الناس .. وفي تصرفاتهم وآرائهم تجدهم مشاعل للطريق الصحيح..

للأسف هناك الكثير من الطلبة والطالبات يرون الأمر بشكل مختلف .. يرون أن المعلم مجرد شخص جاء ليقول ما عنده كي يأخذ مبلغًا من المال آخر الشهر .. وبالتالي فلا داعي أبدًا لاحترامه .. وواجبه أن يقوم بمسح السبورة وسكب ما عنده من كلام فاضي والخروج دون المساس بكرامة أحد الطلبة .. وإلا يكون قد تعدّى على حدوده !

المشكلة مشكلة جيل .. أعلم هذا

لكن النماذج المشرّفة سواء من المعلّمين أو من الطلبة .. ما زالت موجودة.. ولها فقط يكون

الحنين.

نشرلأول مرة في يونيو، 2008

14 May, 2011

معرفة بلا حدود



قبل عدّة سنوات تم تدشين مشروع نول KNOL من قِبَل جوجل لأجل إثراء المحتوى العربي على شبكة الانترنت؛ وكانت بالفعل تجرِبَةً ناجحة؛ على الأقل بالنسبة لي؛ فقد وجدتُ شرحًا وافيًا لما استعصى عليّ من العلوم، وباللغة العربية.

ولأنَّنا نُحِبُّ العلوم؛ ونعشق اللغة، ونريد أن نساعد أولئك الذين لم يدرسوا العلوم بأنْ نوفّر لهم حقّهم في معرفة أساسه على الأقل بلغتهم الأمّ؛ قررنا إطلاق مشروعنا الخاصّ..

 نحن مدونون مهتمون بالعلوم والمعرفة، موقعنا يربط بين كلّ من يهمّه أن يقرأ ويشارك و يتبادل المعرفة وبمشاركتكم إيّانا نعرف أكثر و نفكر و نزداد علمًا.

موقعنا هو معرفة بلا حدود..

حُلُمُنا القريب أنْ نترجم التسجيلات الخاصّة بالجامعات العالمية، معهد ماساشوستش، أكسفورد، وموقع أكاديمية الأرض..  

حُلُمنا البعيد أنْ نقوم بتسجيل محاضرات لأساتذة عرب في الجامعات العربية، ابتداء بـ كليّة العلوم بحكم أنَّ معظم المساهمين في الموقع حتّى الآن، طلبة فيها أو تخرّجوا منها.

يمكنكم أن تساهموا بإرسال عناوين مدوّناتكم الشخصية هنا أو بالنقاش في المنتدى الملحق بالمنتدى؛ كما يمكنكم أن ترسلوا لنا المقالات باللغة العربية لمراجعتها ونشرها.


وهنا مجموعة الفيسبوك  

22 April, 2011

أطوار

مزاجي كأطوار نموّ الحشرات، متقلّب، وعلى العكس منْ حشرة! لا يمكن التنبؤ بعواقب تطوّر الأوّل.

كنتُ أفكّر/أصمّم: لن أتزوّج قبل أن أسافر وحدي، بمالي الخاصّ، وأزور صديقاتي في بلاد أخرى، دون رفيق سفر، لأعرف – حين أتزوج – أنني تزوجتُ رجلا بنيّة خالصةٍ لوجهه الكريم، وأنّ هذا الرجل سيسكن قلبي قبل جواز سفري، وأنني سأسافر معه لأنني أحِبُّ رفقته لا لأنّه يتحتّم عليّ ذلك!

أنا أمَلُّ سريعًا لذلك لا تحاول أن تأخذ من وقتي أكثر من بهجة، لو أطلتَ كثيرًا ستجدني أخرى لن تُحِبّ رؤيتها، وربما لا تطيق بقاءكما معًا في مكان واحد.

أنا أمَلُّ سريعًا فأقبِلْ عليّ بابتسامة صبوح على شفتيك كعاشقٍ سريّ لامرأة متزوّجة طاعنة في الخيانة؛ أو كزوجٍ ولهان لا يرى من النّساء سوى حبيبته الصمّاء باهرة الجمال، يدخل عليها كلَّ يوم حاملا باقة الورد التي يجمعها كلّ صباح!

كلّ صباح.. ابتسامة مشرقة، وورد طازج أملًا في أن تنطق اسمه ذات يأس؛ يعرف أنَّ كلّ النساء تسمعنه سواها، ولا يريد أن يتحدث – رغم ذلك – إلا معها..

تُمسِكُ بكلتا يديه تحنانًا؛ بينما يحادثها تبتسم له فتُفَتَّح له أبواب الجَنَّة، قال الأطباء أنّها يمكن أن تتحدث يومًا ما، لا شيء مؤكد، قالوا له أنَّ المعجزة قد لا تحدث أبدًا.

لكنَّه مؤمنٌ جدًا !

11 April, 2011

لا أريده رجلا

لأنّ كل تعاريف الرّجال التي رأيتُها في التطبيق تختلف تمامًا عن التّعاريف التي آمنتُ بها وصدّقتُ عليها، انسحبتُ من صالة وصولهم، وبقيتُ في غرفةٍ فسيحة للاستراحة مملوءةً بالكتب والموسيقى التي تُمْتِعُ عيني وسمعي. يدخلها ضوء الشّمْسِ كُلَّ يوم فيجدّد هواءها ويزيح عن كاهلها الظَّلام. وجدتُ أخريات.. كثيرات يقرأن ويكتبن ويرقصن بتناغم جعلني أحِبُّ المكان وأندم ألَّم آتيه منذ زَمَنْ.

ما رأيتُه في الصالة جعلني أقرّر عدم الرّجوع إليها، جعلني متأكدةً بحتمية وجود مكانٍ آخر، يأتي منه قَدَرٌ أكثر لُطْفًا وعَطْفًا من هذا المكان.

كُلَّما وَصَل أحدهم أخذ بيد امرأة يجُرّها جرًا، أو بطرْفِ ثوبِها، أو سبقها ثمّ نادى عليها باحتقار.

في صالتي أنا، أنتظر فارسي أنا، بقوانيني أنا؛ على يقين أنّه سيأتي خفيفًا كنسمة، ثابتًا كمحارب قديم، مهذّبٌ لأنّه مهذّب لا لأنّه في مكان عام. ينظُر لي نظرة تجعلني أتمنّى أن أقترب منه أكثر لأعرف ما كُتِب فيها.

فارسي أنا، بأخلاق الفروسية التي أعرفها أنا، والتي يعرفها هو، والتي لا يعرفها عامّة الناس!

فارسي معتنقٌ القول القائل:


" أملكُ أن أقتلَ
لكني أختارُ العفو
والسَكَنْ" *

فارسي لا يعرفُ الكَذِب.

يكره كلَّ نساء العالَم عداي، فأعرف عندما تمرّ امرأة جميلة أنَّه لن ينظر إليها وإنْ كان يتحدث إليها وعينيه بعينيها، لأنني أعلم جيّدًا أنَّ النساء جميعهن لديه لا يعنين أكثر من قطع القماش الجميل. وهو لا يتظاهر بذلك فقط أمامي ليتجنّب إثارة غيرتي، بل لأنّ هذه عقيدته التي لا يستطيع منها فكاكًا!

بديهيٌّ إذنْ أنّ مزحة الزواج الثاني هي أسخف مزحة مرّت به!

فارسي مؤمن، لا أسأل سؤالا إلا وجدتُ لديه إجابة مطَمْئِنَة، هو ملاكي الذي يبطش بشيطاني حين يصحو ذلك الأخير، ويحتضنني عندما أبكي خوفًا من نار جهنّم وعذاب القبر! ويُخبِرني بأدلّة من القرءان والسنّة أنّني بخير وأنّ خوفي لا داعي له. سيقول محاولا التخفيف عنّي أنَّه سيفديني! وأضحك، وأنسى سبب بكائي!

فارسي نبيل.. لا يمنّ ولا يؤذي.

لا يجامِلني بـ "آسف" لأنّه عندما يخطِئ سأعرف أنَّه لم يقصد.. **

فارسي عقلاني متمدّن جدًا، مثقف، يناقشني في كلّ شيء، فأنا أفضل أصدقاءه في المطلق؛ يذهب معي إلى كُلِّ الأماكن ولا يستحي منْ تقديمي لأصدقائه كما لا أستحي من تقديمه لصديقاتي.
فارسي منغلق متحجّر رجعي يُحِبّني حبًا أوليًا يصل حدّ الجنون لكنَّه لا يُذِلّ نفسه لأجلي، فيكون ندًّا رحيمًا وصديقًا لدودًا..
فارسي؛ يتبنّى الذي يقول:"لك حق تزعل ومن ثمّ لك حق نرضيك"*** وإن كان أمام النَّاس، فارسي ليست لديه تلك النزعة التي تدفعه لإثبات رجولته أمام الجميع بالإنقاص من قدْرِ النّساء متمثّلة فيّ!

فارسي هذا، لنْ يأخذ مكانه رَجلٌ أبدًا.


_ _ _ _
* سارة عبد الناصر
** ما في داعي – محمد عبده
*** لك حق تزعل – محمد عبده

27 March, 2011

ومن أحياها



من الأسئلة التي كانت تثير حيرتي واستغرابي جدًا، حرمة الانتحار، ماذا لو أنَّ أحدهم كره حياته، يمكن لأحدهم أن يكره حياته لأكثر من أن تتركه حبيبته أو يخسر وظيفته .. هذه أسباب واهية حقًا أمام من يقوم بالانتحار.


ماذا لو أنّ إحداهنّ ولدت ثم توفيّ أبوها بحادث بشع أمام عينيها ثم تزوجت أمها رجلا بلا أخلاق كان ينتهك عرضها ثم فقدت بصرها مثلا وسمعها وأصابها السرطان ! هذا ليس أسوأ سيناريو يمكن أن أتخيله .. لا أريد أن أتخيّل أسوأ لأنني مهما تخيّلت، فلن أكون كمن يعيش الموقف وتداعياته يومًا بيوم..


كنتُ أقول أنني لم أكن أفهم لماذا يَحْرُم على من مِثْلِ هذه ظروفها أن تنتحر .. لماذا يتم التوعّد لمن ينهي حياته المزرية بحياة أكثر إزراء في الآخرة؟


ثم قرأتُ عن الرافعي أنَّه يقول: أنّ المنتحر بفعله وكأنّه يقول لله: "أنت عاجز".. وتخيّلتُ للمرّة الأولى غضب الله.. كانوا يقولون لنا في المدرسة أنَّ الله يضحك ويفرح ويغضب.. وكان مثال الرجل التائه في الصحراء هو جُلَّ ما يوضّح لنا تشبيهًا لفرحة الله بتوبة عبده.
لكنّني لم أفهم كل ذلك إلا عندما قرأتُ مقولة الرافعي.. وسَرَت بجسدي رجفة خوف، هل فعلتُ شيئًا يجعله غاضبًا عليّ كغضبه على مثل هذا الذي يسبّ الله في وجهه باتّهامه بالعجز؟ أرجو أنْ: لا.. وألفُ أرجو أنْ: لنْ.


ثم بدأتُ أسأل الأصدقاء، ترى لماذا الانتحار حرام؟


لأجد الرافعي، مرّة أخرى، يقول:"وحَرِيٌّ بمن يوقن أنَّه لم يولد بذاته، ألّا يشكّ في أنَّه لم يولَد لذاته." .. فكيف تقتُل شيئًا ليس من حقّك التصرّف فيه؟


هذه الرُّوح التي بين جنبيك، والتي عليك أن تعتني بها جيّدًا، وتحافظ عليها، مهما حدث لك، ولها، لا يمكنك أن تنهي عقدك معها، لأنَّك، وإنْ هُيِءَ لك أنَّك لم توقّع عقدًا في البدء يقضي بحفاظك عليها، فأنتَ في الحقيقة قد فعلتَ، منذ زمن بعيد، وفي ظروف لا يمكن لعقلك القاصر أنْ يعْقِلَها " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ"..


تقول صديقتي الأمريكية - حديثة العهد بالإسلام - عندما صارحتُها بأفكاري، "نحن عباد، علينا أن نطيع، كما نذهب للعمل أحيانًا مستائين وأحيانًا عن حبّ، لكننا في الحالتين نذهب... ماذا لو قلنا لربّ العمل كلّ يوم: لن آتِ اليوم؟"..


أخيرًا، سألني أحدهم – كشخص يدافع طول الخطّ عن الثورات وأهلها - : ماحُكْم ما فعله "بو عزيزي"؟ فقلتُ له: حقًا، لا أدري.. فليرحمْه الله..