28 August, 2010

أسطورة

تقول الأسطورة: "من يتمتع بلذة الحبّ يبقى خاليًا من الأصدقاء، ومن يلتقي بأصدقاء الأبدية تظلّ نفسُه هائمة لا تجد النّفْس التي خُلِقَتْ منها!

كُتِب على الدفء ألا يكون إلا من مصدر واحد، كما الشمس لأمّنا الأرض"



ظلّت تتردد الكلمات في ذهنها وهي تعبُر الطريق صباحًا، قالت لنفسها:" هراء.. هراء.." بالتأكيد هذا ليس صحيحًا، أنا لديّ أصدقاء رائعون، وسَأُزفّ إلى الرجل الذي أحبّ قريبًا. هذه الأساطير يكتبها أشخاص معقّدون يظنون أنّ تجاربهم الشخصية يمكن تعميمها على العالَم بأسره.



وللحظة شعرت بالكراهية تجاه غرور الكتّاب الذين يكون تأثير كلماتهم قويًا، للحظة شعرت بالحنق تجاه كلّ كتاب فضحها أمام نفسِها لأنّها شعرت أنّ الكاتب هتك أكثر أعماقها خصوصية قبل أن يخطّه ليقرأها العالَم! عادت للواقع تتقافز الخواطر في رأسِها، واحدة تقول: "ليتكِ لم تقرئي الكتاب"، وأخرى: "الآن ستفتعلين المشاكل مع خطيبك لتثبتي صحة ما قرأتِ" وثالثة: "بل ستخسرين أصدقاءك وتبقين طيلة العمر في دوامة الزوجة والأم لا تخرجين منها!".


ولأنّها محاسبة ناجحة، وتعلم جيدًا كيف تجمع البيانات وتحللها وتستنتج منها معلومات ملموسة يمكن الاتكاء عليها واتخاذ قرارات حرجة على أساسها، لم تكن سوى أسوأ فكرة هي الأكثر إقناعًا بعد تحليل سريع! قالت لنفسها:"بل سأخسر الاثنين بغبائي! سأخسر أصدقائي أولا لأنني أحب هيثم كثيرًا، ولأنني سأظنّ وقتها أنّ الزواج أكثر أبدية، ثم سأخسر هيثم لأنني سأفتقد أصدقائي وسأشعر أنّه المسؤول عن خسارتي إياهم!" ارتاحت للفكرة، وارتعدت!

لم تعد قادرة على التركيز في عملها، لكنّها أبَتْ أن تستسلم كي لا تَثبُت الفكرة! لن تسمح لهذه الأفكار بهدم حياتها!



بعد الظهر قابلت خطيبها في المطعم المفضّل لكلّ منهما. أخذت تتأمّله. كم هو حنون ومهتمّ، يتصرف بطفولية غريبة في أوقات غير مناسبة، لكنه عيب تافه. من قال أننا نتخلى عن احتياجات الأطفال بمجرّد أن نكبر؟ نفضت رأسها بقوّة.


- معايا؟


- قل لي صحيح هو أنت بتصدق الأساطير؟

- أساطير إيه؟

- أساطير الآلهة اليونانية مثلا. أو أي أسطورة أخرى تشعر لوهلة أنّها حكاية من جَدّة فانتازية ما قادمة من عالم فانتازيا!

- أنا يا رفيقتي في هذه الأشياء لا أصدق ولا أكذب. أنا أقرأها من باب التسلية والمعرفة، قد تكون أحداثًا حقيقية فعلا في الماضي، حدثت بشكل ما، وقد تكون حكايات. كألف ليلة وليلة مثلا، قد تكون قصة حقيقية مؤرخة، وقد تكون حكاية جميلة كتبها أديب واسع الخيال! المهمّ ألا أدع كونها حقيقة أو باطلا يشغلني عن حياتي الحقيقية التي أعيشها أنا!


ابتسمَت لملاحظته، هو ذكي أيضًا، ويعرف كيف يقرؤها حتى عندما تحاول أن تغلق ضفّتي كتابها كي لا تزعج من حولها!


همست له في عذوبة: أنت رائع!

- ألا ترين أنّ الوقت متأخر قليلا لاكتشاف ذلك؟


- ما رأيك أن نقوم بعمل رحلة قبل زواجنا؟ نوع من "توديع العزوبية"، ولنذهب جميعًا لمكان ما في مدينة أخرى، بدلا من أنْ يأخذك أصدقاؤك، ويأخذني أصدقائي كلّ على حدة؟

- تريدين أن تبرهني شيئًا ما؟

- نعم وَ لا.

- لا مشكلة. لكنْ؛ شيء واحد أريده منكِ.

- تمّ !

- أريدك أن تتذكّري أنّ المفرد منها "سَطْر" و"أسطورة"، وأنّ جمعها "أساطير" و" سُطور" لا أكثر!

- أنتَ أسطورتي الحقيقية يا هيثم.


ـ

25 August, 2010

!قوة الآن

لا أصدّق أنني بدأت فعليًا قراءة كتاب "قوة الآن"* مترجمًا، للكاتب "ايكهارت تول" الذي بقي جالسًا لمدة عامين على مقعد في المتنزه بعدما وصل لحالة من الاستنارة الروحية، وعلى حدّ قوله، أصبح بلا مأوى ولا عمل ولا عائلة لكنّه حصل على الكنز الذي أصبحت الناس تسأله من أين لك هذا، نريد مثله!

يدور الكتاب حول مفهومين أساسيين؛
الأول: التحذير من "أنت" المزيّف، الذي يريد شلّ سعادتك بطرق قد لا تفهمها أنت نفسك. وغالبًا هو عقلك، والتفكير المشتت، حسبما فهمتُ.

الثاني: الأخذ بيدك للطريق الصحيح للاستنارة الداخلية، عن طريق تحرير نفسك من العبودية التي استحوذت على إدراكك وعقلك!

نوع من التنمية البشرية الـ "مجرّد" إن صحّ التعبير، تعوّدنا أن تكون "أيًا كان اسمها" معنونة دائمًا بـ"حدد هدفك"، "ابن مستقبلك"، "تعرّف على قوة عقلك الباطن".. وهكذا.

لا أنكر أنّ القراءة في هذا المجال أفادتني سابقًا، لكنْ أنْ يصل الأمر لـ: "كلما خلقت ثغرة في عقلك سينمو ويقوى نور وعيك" وَ "أكثرية العلماء ليسوا مبدعين، ليس بسبب عدم معرفتهم كيف يفكرون ولكنْ بسبب عدم معرفتهم وقف التفكير!". فإنني لا أجد ردًا سوى: حسنًا؛ دعني أفكّر بالأمر!

أقول أنّه لا يستطيع القارئ الذي لم يقرأ قبلا عن العقل الباطن، ولا يعرف التفكير المجرّد ولا شيئًا عن الفلسفة أن يفهم ما يتحدث عنه الكاتب، وإما سيجده محض هراء، أو أنّه سيجده معجزًا!

يقول أنّ الألم الجسدي يحبّ البقاء والخلود، وأنّه يتغذى عليك عبر أشكاله المختلفة، غضب، كراهية، حسرة، حزن، دراما عاطفية، عنف، وحتى المرض!

وأنّك إن استسلمت مرة فإنك تريده أكثر، تصبح كالمدمن. رغم أنّك تطالِب – ظاهريًا – التخلّص من الألم، لكنّك لا تفعل – فعليًا – أيّ شيء حيال ذلك !

أما لو كنت واعيًا فإنّ طلب المزيد من الألم سيكون خطًا أحمر لن تسمح لنفسك بالوصول إليه [حسنًا هذا أفضل تعبير استطعتُ الوصول إليه لأنني أفهم ما يتحدث عنه الرجل] لكنّه يقوله بطريقة أخرى، بصراحة، لا تعجبني!
أجمل ما في الكتاب، هو أنّه يقوم بالتركيز على الحاضر، ويشرح كثيرًا لماذا علينا ألا نفكّر في الماضي، ولا ما حدث فيه، ولا القلق كثيرًا بشأن المستقبل، لا من وجهة نظر تقاعسية (كما قد يبدو لأول وهلة)، ولكنْ من وجهة نظر أنّ كل الأحداث التي تأخذ حيّزًا في حياتك تحدث الآن! ما حدث لك في الماضي وقت أن حدث كان "آنيًا" وقتها، إن صح التعبير، وما سيحدث لك في المستقبل سيحدث لك في "آن" المستقبل! لذلك. عِـش اللحظة. ماذا تريد أن تفعل الآن؟ الآن أنت موجود تمامًا. وجودًا كاملا.

العجيب، أن الكثير من الكتاب كتبوا الكثير عن هذا الأمر من وجهات نظر تعقّلية أو لمعالجة الألم أو تناسي الأحداث السيئة وغيرها.

أخيرًا، لم أستطع إكمال الكتاب للنهاية! رغم أنني استمتعت بما قرأتُ، أو بالأحرى، بما أردتُ أن أفهم مما هو مكتوب، فيما عدا أنّ هناك مواضع مررتُ بها تحتاج لمراجعة النسخة الانجليزية لمعرفة ما يتحدث عنه الرجل فعلا، وفيما عدا أنّه أهان الزّمن بشكل مريب وغير علمي- بالنسبة لما وصل له علمي !- على الأقل أينشتاين قال أنّه نسبي، الزّمن بالنسبة لك الآن يختلف عنه عنك وأنت مسافرٌ في الفضاء**؛ يمكن أنْ يساعدك الكتاب لتحاول معالجة طريقة تعاملك مع الماضي، لو أنّ لديك مشكلات كثيرة هناك!
ـ


"The Power Of Now"*

ـ ** يقول أحدهم بعد أن طُلِبَ منه شرح نظرية النسبية في جملة: لو أنّ امرأة شابة جلست على حجرك لمدة ساعة فإنها ستمرّ عليك كدقيقة، بينما لو جلست عجوز شمطاء لمدة دقيقة فإنك ستشعر أنّها دهرًا !! وعندما سمع أينشتاين ذلك الشرح، قال بأنّه أفضل شرح سمعه لنظريته!


22 August, 2010

سنّة الحياة

ليه العيال هم اللي المفروض يجلبوا السعادة للمرء؟
لا تقل لي: سنة الحياة!
مفيش حاجة اسمها سنّة الحياة!
معلش يعني!



سنن الكون هي الأشياء التي ليس للإنسان يد فيها. دوران الأرض حول نفسِها وحول الشمس، حدوث الليل والنهار هي سنن كونية لا يختلف عليها اثنان. يمكن مجازًا أن نقول أنّ حصولها "سنّة الحياة!" بمعنى أنّ الحياة بمعناها التي نعرفها ستختلف تمامًا لو أنّ أحد هذه الأشياء اختلف، أو اختلّ. بينما الخِلفَة مش سنة حياة!
إلا لو كانت الحياة بالنسبة لمن يتحدث هي ذلك الكون الضيّق، الذي لا يتعدى زوج وأطفال فقط! فتكون هذه "سنة الحياة" بالنسبة إليه، لأنّ نظرته لا تتعدى ذلك! لا يعرف معنى الكون كما خلقه الله! وإنما يعرف كون الحياة بزاوية ضيّقة للغاية!

هل هي عادة إذن؟
لا أدري.

ربما هو احتياج لأحد ما نلقّنه من البدء أشياء نريد له أن يتعلّمها منا نحن. وكأننا نمنحه – بالإضافة لأموالنا كي لا تذهب لغرباء!- إكسيرنا الخاصّ للنجاة من الدنيا المتعبة، خلاصة حكمتنا وعصارة أفكارنا، ناسين، أو متناسين أننا من جئنا بهم في المقام الأوّل!

هل هو شيء نفعله لأنه من الصعب إجادة الأشياء التي تحتاج لدراسة؟ الزواج والإنجاب لا يحتاجان لدراسة! يكفي أن تولد ذكرًا أو أنثى، وأن تنمو باطّراد الزمن، ويمكنك شغل منصب مدير تنفيذي ورئيس مجلس إدارة مرة واحدة!



العجيب أنّ هناك الكثير من الأشياء الصغيرة التي تمنح البهجة نتركها تمرّ دون أن نعيشها، نظنّ أن الأشياء الكبيرة فقط عليها أن تمنحنا السعادة الأكبر. لكنّ هذا لا يحدث. وفي كلّ مرة نظنّ أن يوم خطبة صديقتنا الصدوق، زواج صديق، أو وقوعنا في الحبّ لأول مرة سيكون شيئًا كبيرًا، أو أي شيء "كبير" بفهومنا سيكون يومًا "مميزًا" و"لا نتخيله" يجيء هذا اليوم ليصفعنا بسخرية قائلا: هع! يا لكم من بلهاء! أيّة طعم كنتم تريدون أن تتذوقوا؟


مؤخرًا مررتُ بتجربة روحية مميزة جدًا. تعلّمتُ كيف يمكن لنا أن نشعر بالسعادة الحقيقية من أشياء صغيرة نمرّ بها/تمرّ بنا. عليك فقط أنْ تكون مستعدًا لذلك. لا يمكنك أنْ تنتظر أنْ يُسعِدك الآخرون أبدًا! ولو أنّ بعضهم يُرسَل إليك من وقتٍ لآخر لأجل أن يطرق نوافذك، ويأخذ بيديك إلى مكان ساحر. ويتركك. فلا تنشغل عن روعة المكان بأنْ تنظر للخلف. وتضيّع تلك الفرصة، لأنّها لن تتكرر!



ما الرابط بين بداية المقال ونهايته؟

ربما.."بعض الموسيقى والكلمات الملحنّة جيّدًا قد يكون كلّ ما تحتاج إليه حاليًا" !ـ
: )

18 August, 2010

امرأة من أقصى المدينة - إيما شاه

امرأة من أقصى المدينة - إيما شاه

صنَعَتْ يومي اليوم !

- -

رجلٌ من أقصى سفرٍ،
وامرأة من ماء.


رجلٌ من سفرٍ،
وامرأة من أقصى ...


رجلٌ،
وامرأة من أقصى سفرٍ ...


لا تحملنا لغة
ننظر، وجهي، في وجهكِ في وجه الساعة
ننتظر الحفلة أن تُنهِي لغة الرقص لنبدأ لغةً أخرى
لا تحملنا لغة.

نصعدُ فوق الموسيقا، ننسى أنّا نصعدُ فينا،
ننسى أنّا نخلُقُ لغةً،
كلّ منا يعرفها،
حسب مجازات الصدفة،
أو حسب جواز اليقين.


هذه الصخرة أعرفها،
هذا الجدول حين قرأتُ عليه الشّعْر،
بكى،
بــ ـكــ ــى ...
بــ ـكــ ــى ...
بــ ـكــ ــى ...
بــ ـكــ ــى ...


ثمّة ظلّ يلحقني في كلّ مدينةٍ
لا أقصد ظلّي الظِلَّ!
أو ظلّي الساكنَ
أو ظلّي الخائف!
حين يكون هو السائرُ وأنا ظِلٌ في ظلّه!!

فرحٌ أسود ظلانّا،
بقميصٍ أسود ظلانا،
شيء أسود ...
...
...
...


ليس لديّ سرير،
أفترش الأرض وتفرش رغبتها في أرض أخرى!
أفتح شبّاكًا
- تفتح شُبّاكًا!-
وشبابيك مدائننا مطفأة!
والنّاس..
والنّاس..
والنّاس..
والنّاس..

كانت تَدخُن وجهًا أسمرَ في رئتين،
كان الأسمر في رئتيه مقابر ناس.

والنّاس.
شُباكًا. شُباكًا.
شُباكًا.

هنا على الفيسبوك

10 August, 2010

الخيميائي - حينما يكون الفرق حرفًا

سنين طويلة وحلمي أن أكون نحيلة جدًا كعارضات الأزياء لكنني يومًا لم أواصل ما يجعلني كذلك، دومًا كنت أتوقف عند مرحلة ما أقل، وأقول لنفسي: "كدا كويس". حتى إذا ما زاد وزني مجددًا وأفقت على بضعة كيلوات زائدة انتفضت لأعود من جديد لذات المرحلة التي أقول عندها: "كدا كويس!".

عرفتُ الآن أنني طيلة الوقت كنتُ أخشى إن تحقّق الحُلُم ألا أجد حُلُمًا أعيش عليه!! تخيلوا لو أصبحتُ نحيلة ولم أجد أنّ الأمر كان يستحق أن يصبح حُلُمًا. وتكون حياتي مقرفة رغم أنني نحيلة!!! هل كنت أتخيّل أنني بمجرد أن أصبح نحيلة وأرتدي مقاسًا أصغر سأجد السعادة وراحة البال؟ تقول لي أختي -النحيلة-: على فكرة النُحْفْ عادي يعني! أنتِ مكبرة الموضوع!

هذه تمامًا هي النقطة ! أنا مكبّرة الموضوع! لأنّ الأحلام التي نريد تحقيقها بقوّة تبدو لنا كبيرة جدًا لدرجة أن نخشى لمسها. قلتُ لمن كان خطيبي يومًا: لن أتزوج قبل أن أنحف! ربما كان هذا سببًا لانتهاء العلاقة !

في جلسة سابقة مع صديقاتي، أسألهنّ عفويًا: لو أنني أصبحتُ نحيلة وأصبح الجو باردًا، ماذا تظنن ستكون شكوتي؟

وأجابتني صديقة مشاكسة أحبّها: ستطلبين العريس بقى !

طبعًا كانت تمزح، لأنّها تعرف جيّدًا أنّ وزني لا يشكّل مشكلة للآخرين، بعض الناس يظنون أنني أذهب للجيم أو لدكتورة التغذية لأنني أريد زيادة وزني!! هو عقدتي الخاصة جدًا وصورة الجسد الذي أريد أن أكون عليه. هي مشكلتي التي لم يستطع أحد أن يقنعني بعكسها. حتى صديقاتي الممتلئات الراضيات لم أستطع أن أفهمهنّ. أقول بالتأكيد هذه اختلافات أحلام. ربما حلمها الذي يوازي حلمي أنّها تريد أن تتزوج! أو تنجب. أو أيّ شيء آخر!

بالضبط كما كان الشيخ صاحب محل الكريستال لا يريد أن يذهب للحج بمكة كي يبقى حيًا على هذا الأمل، ماذا لو ذهب وحجّ وعاد؟ كيف يحيا؟ على أيّ صورة تغفو عيناه عندما يريد الهرب من روتين الأكل والملبس والمشرب والنوم اليومي المعتاد الممل؟

لابدّ لي من حُلُم جديد إذن. حُلُم آخر أحيا لأجل أن أحققه.

الخيميائي رواية لباولو كويلو، ثاني رواية أقرؤها له بعد 11 دقيقة. أسلوبه مميز كالعادة مع أنني أقرأها مترجمة لكنني أشعر به يخاطبني تمامًا. الرواية جاءت في وقتها تمامًا لدرجة تجعلني أشكّ شكًا لذيذًا في أنّ الملك *ملكي صادق ملك سالِم*(أحد الأبطال) قد جعلني أبتاع الرواية أمس بالتحديد لأقرأها اليوم بالتحديد لأجل أنْ تفسح لي في روحي متسعًا من الرّضا والفهم.

يقول أحد الحكماء شخوص الرواية:" إنّ سر السعادة هو أن ترى كلّ روائع العالَم دون أن تسكب قطرات الزيت من الملعقة"

يمكن أن أضع بين القوسين السابقين أي اقتباس محمّدي أو قرءاني أو أي قول مأثور آخر عن الاعتدال!

لا تجعل شيئًا يأخذ مكان بقية الأشياء!

وهذا صعب جدًا كأن تسير حاملا ملعقة بها قطرات من الزيت، وفي ذات الوقت عليك أن تنتبه لكل الجَمال بالعالَم، وتتجنب التعثّر فيما قد يعيقك أيضًا!

وقد يكون كنزك الذي رحلت للبحث عنه هو رحلتك ذاتها! من يدري؟

ما تعززه القصة أن على المرء أن يعيش حياته الآنية، لا عليه بالماضي ولا المستقبل. في كل مرة تلومنّ الدنيا وتنزوي غاضبًا منها أنت الخاسر الأعظم. لن تكون حيًا كما تريد. وإنّما روحًا بائسة تنفر منها كل الأراوح. لا تدع حلمك الكبير يفلت منك أبدًا لأنّه الشيء الوحيد الذي سيوصلك للطريق الذي ترضى عنه تمامًا، و"لكي تعثر على الكنز عليك أن تتبع العلامات، فالله قد هيّأ لكل امرئ طريقًا ليسلكه، وعليك فقط أن تحسن قراءة العلامات التي تركها الله لك في الطريق".

كما لا تنس أنّ "ثمّة لغة كونية يفهمها كل شخص" فلا تقلق بشأن اللغات كثيرًا!

لا أدري لماذا تأتي مقالاتي عن الكتب التي أقرأها مشخصنة جدًا لدرجة أنني لا أتكلم عن تفاصيل وأحداث الرواية بقدر ما أتحدث عن تأثيرها عليّ !!

على أيّة حال هذه ملاحظة جديرة بالذكر.

الرواية تستحق أن تأخذ من وقتك سويعات

08 August, 2010

ذكروني ألا آتي مرة أخرى

لم أستخرج بطاقة شخصية حتى الآن لأنني لم أشعر أنني في حاجة لبطاقة شخصية فجواز السفر يغني عنها تمامًا.

جواز السفر انتهى وبحاجة لتجديد. وأنا أريده جاهزًا لأنني أوقن أنني سأعود إلى وطني الحقيقي يومًا ما وأريد أن تكون أوراقي كلها جاهزة حين يأتي ذلك اليوم. وطني الحقيقي الذي لا أعرفه بعد. والذي أوقن تمامًا أنني سأذهب إليه لأقضي باقي عمري فيه.

ذهبت اليوم لعمل بطاقة شخصية، وعندما نظر الرجل إلى شهادة الكليّة، قال لي: بالانجليزي ! مينفعش لازم واحدة عربي ! قلت له: ماهي دي كمان عليها ختم الكلية!! قال لي: لأ لازم العربي. ثم نظر للاستمارة: كاتبة تاريخ ميلادك بالانجليزي ليه؟ فكرت: أقول له إن دي هي الأرقام العربي وإن المعروف لدينا أنه عربي ما هي إلا الكتابة الهندية والانجليزية؟ قلت بصوت خفيض وأنا أدعو سرًا ألا يسمعه - لأجل تخليص نيتي وكي لا أكون كاتمة للعلم ! -: دا العربي. لم يعقب وأظنّه لم يسمعها والحمد لله. أفكر بسعادة: هوووف أخيرًا سأذهب الآن للبيت أجلب النسخة العربي خلينا ننتهي من هالقصّة !

يكمل النظر في الأوراق: جواز سفرك منتهي ! فين بطاقتك القديمة؟ قلت له: دي أول مرة أعمل واحدة.

- لازم تجيبي وليّ أمرك !

قلت له: طيب معلش سؤال: هو ينفع أجدد جواز السفر من غير البطاقة.

رد: لأ.

قلت له: شكرًا جزيلا. أنا فخورة جدًا إني مصرية !

يا أولاد المحروسة !! أناااااااااااا اللي عمري قارب على إغلاق ربع قرن كامل وتعديت سنّ الرشد بسنوات يريد وليّ أمري؟؟
أنا المسموح لي بشرب الخمر ! وعمل ما أشاء تمامًا مطلوب مني أن يصدّق ولي أمري على أنني أنا أنا؟

من جاء بي هنا؟

06 August, 2010

رمضان، حرية وفضفضة

من المهم أن تكون لك بعض المقدسات، ولكنّ الأهم أن تكون حرًا، هذا لا يناقض ذاك، أن تكون حرًا بمعنى أن تختار مقدساتك بنفسك لأنّها تستحق التقديس أولا، ولأنك مارست حريتك في اختيارها ثانيًا

جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد*

بشكل مجرّد قد تبدو العبارة مناقضة لما قلت أعلاه، أن تتوقف عن عبادة س لتعبد ص كيف بالله أكون حرًا؟

الفكرة كلها في أنّ س وص مختلفان تمامًا، أحدهما يحجر حريّتك والآخر يحفزك لممارستها !

الحرية حرية فكر، حرية تعبير، وحرية ممارسة

وهذا غير متاح لك بعبادة العباد. بمتابعة ما سوف يقوله عنك العباد

سُئل سقراط لماذا اختير أحكم حكماء اليونان؟فقال:"ربما لأنني الرجل الوحيد الذي يعرف أنه لا يعرف".
وقال أيضا:"نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر".


لا يمكنك أن تتوصل للحقيقة إذا لم تسمح لنفسك بالتفكير، الحقيقة المناسبة لك قد تختلف عن الحقيقة المناسبة لغيرك فلا تلومنّ إلا نفسك إذا مشيت خلف أحد فركب الموج وسقطت أنتَ في القاع !

كُن حرًا.

حسنًا، بعد هذه المقدّمة المزخرفة أريد أن أفضفض قليلا. لا يمكن أن أنكر أن الوقت الذي يسبق رمضان يثير بي كثير من الشجن، الشعب المصري يهتم بالأكل عمومًا، ويأتي قبيل رمضان ليهتم به أكثر من أي وقت مضى، هناك طقوس محفوظة تمامًا لكنني لم أستطع فهمها يومًا ! تناقضات تضرب فهم أحد أركان الدين في مقتل بين ما يفترض أن يكون وما يكون فعلا !

لكنني اعتدت ذلك، هذا العام لن تسري سوى قواعد مروري أنا. سأبني شوارعي الخاصة وإشارات مروري الخاصة وأضع فيها من أشاء من ضباط ليحكموا الازدحام ويمنعوا المتطفلين !

كل عام وأنتم كما تريدون، لا كما يُراد لكم

16 July, 2010

العلم نور


نرددها كثيرًا دون أن نعيها. يقولها الأطفال والكِبار. لكنّ القليل فقط هم من يبحثون عن العلم ويريدون فعلا أن يعرفوا أكثر. السواد الأعظم ينتظر أن تجيئه المعرفة بفرصة ما لا يسببها إجهاد البحث أو تعب الاشتياق لمعرفة الحقيقة. أو يراها عبئًا لا جدوى لحمله طالما بإمكاننا ذلك!. كان لديّ صديقة في المرحلة الثانوية ترفض معرفة أي معلومة دينية بحجّة:"لأنني عرفت فسيكون عليّ التنفيذ، بينما أنا هكذا لا أعرف". يعني كانت تخشى من إثم ارتكاب عكس ما تعلم، فاختارت أن تجهل كلّ ذلك. ربما كانت طفلة خائفة وحسب.

سلمى هلالي في موقعها تزيح الكثير من الأغطية عن أشياء كنا نعرفها بداهة منذ زمن من خلال مقالاتها، وتتحدث عن كتب ثرية فعلا. هنا جانب من أهمّ ما لفت نظري فيما قرأت حتى الآن.

* * *

1. الفرق بين الكافر والجاهل

نقول كافر على كلّ من يخالفنا الاعتقاد، الديني تحديدًا، دون أن نفتح المعجم العربي على كلمة "كَفَر" لنعرف معنى آخر واحد لهذه الكلمة، والتي تعني أيضًا: زارع، وكفّر، والتي تعني غطى أو ستر.

هناك فرق كبير بين من عرف الحقيقة ثم أنكرها، وبين من لم يعرفها بعد ويتأكد من أنها هي الحقيقة.

* * *

2. ناقصات عقل ودين.. إن شئن!

هذه الحديث بالذات من جوامع الكلم و من أروع ما قاله رسول الله لنقاط الضعف في كل من طبيعة الذكر و الأنثى

* * *

3. أنا "أنا" إذن أنا موجود

عندما لا تكون على طبيعتك بسبب تواجدك مع أشخاص يتصرفون بأسلوب معين ولا تستطيع إلا أن تكون واحدًا آخر طالما وجدت معهم أنت تفقد جزءًا منك، أنت غير موجود تمامًا، عندما يطلب منك المجتمع أن تكون شخصًا آخر طيلة حياتك، فسوف تموت دون أن توجد!
وحده من يصرّ على وجودِه يوجَد.

* * *
4. أثر العرف في فهم النصوص

الذين يرفضون حاليا بعض النصوص القاطعة الثبوت أو يؤولونها تأويلات لا تتناسب و اللغة العربية و لا مقاصد التشريع و يلوون أعناق النصوص لأنها لا تتناسب و رؤياهم الحالية عن المرأة لا يختلفون كثيرا عن كثيرين سبقوهم أولوها تأويلات غريبة عجيبة و أنكروا بعض النصوص لأنها لم تتفق مع ما يرونه من ضرورة التضييق على المرأة... الأمر سيان (و طرفي التناسب يلتقيان) إذ كلاهما يأتي للنص بأفكار مسبقة يريد استخراج ما يثبتها بأي طريقة بدل أن يعمل على التفكير بالنص نفسه و تدبره و دراسته ابتداء و الاستخراج منه... يعني أنهم يجعلون النص تابعا لفكرتهم لا العكس...

* * *

يمكنك أن تخسر الأشخاص لأنهم يختلفون معك في طريقة التفكير، هم لا يستطيعون أن يتقبلوا طريقة تفكيرك، حتى لو لم يتعد ما تقوله مجرد الكلام، يمكنك أن تخسر أصدقاءك بسبب تفكيرك ومهما حاولت أن تقنعهم أنّه مجرد"كلام" وأنّ الفعل شيء آخر، فإن البعض يعتبر أنّ الكلام هو أول خطوات الفعل.

هذا ما قاله بوضوح أبو بكر في كتابه، وضرب لذلك مثلا برجل يكره العنصرية، ويتحدث مع أصدقائه عن نبذها ومحاربتها بشتى الوسائل، بينما عندما تقع ابنته في حب رجل أسود فإنه تثور ثائرته ويرفض عقله تقبّل هذه الحقيقة. لأنّ الأمر تعدّى الأفكار إلى الفعل الملموس. هنا لم تتحول الأفكار لأفعال قطّ. لأن الاعتقاد المترسخ في ذهنه كان أقوى من أيّ كلام.
ليت الناس يفهمون ذلك. ويعرفون أنّه لا حدود للتفكير، لا حدود للعقل البشري بالنسبة للبشر. كل الاختراعات الثورية تمّت عندما بدأ البشر فعلا تحويل الكلام إلى فعل.

هناك فرق كبير بين أفكارك ومعتقداتك.

مثلا أنت لو كنتَ مسؤولا عن طفل. ولم تخبره بالممنوعات التي عليه أن يتجنبها، فإنّ الإمكانيات المتاحة لا محدودة بالنسبة له. سوف يفعل أيّ شيء. أيّ شيء على الإطلاق - بالنسبة لطريقة رؤيته للأشياء !-

بينما هناك الكثير جدًا من الأشياء التي يستحيل له أن يصل إليها وأنت تعرفها جيدًا كشخص ناضج مسؤول عنه، تعرف أنّه لن يحاول البحث في الدرج العالي عنه، تعرف أنه لن يحاول أن يفتح باب الفرن لأنه لم يرك يومًا تفعل ذلك، ولن يطال علبة الكبريت لأنك أخفيتها بعيدًا، لن يقوم بتشغيل غسالة الصحون ولا الملابس لأنّك فصلت القابس، ولن يطلب رقم هاتف أحد بعينه ليقول له أنّك تحدثت عنه في غيابه!

ربما يقوم باللعب في المياه، وقلب الطعام، تكسير الأشياء وإخراج جميع ما بداخل الدواليب، ربما يحاول فتح باب المنزل للخروج واكتشاف العالَم. وقد يفعل ذلك لو كان أكبر قليلا.

نحن كبشر خلق الله لنا عقولا، لا يمكن أن يكون قد خلقها لنا ثم يجرّم علينا أن نفكّر بها ولو وصل بنا تفكيرنا إلى ما يصل. طالما نحن لم نقم بتحويل أفكارنا هذه إلى أفعال أو نقوم بتحريض أحد على تحويلها إلى أفعال. أعتقد أنّ ما نفعله هو استعمال لهذه الأداة لا أكثر.
ـ

11 July, 2010

شاي

لا أتخيل كيف يستمتع ثلاثة أرباع الشعب المصري بشرب الشاي، ماء مغلي وبعض الأعشاب التي تدميه رغمًا عنه.. ليرتشفه المرء بهدوء قاتل محترف ! لا أذكر أنني كنت من معجبي الشاي أبدًا.

عندما لا يتوفر الحليب لديّ لعمل كوب النسكافيه، أقوم بعمل شاي بالحليب، شاي خفيف جدًا.. أدمي الماء المغلي قليلًا ثم أضيف الحليب لأعتذر له .. وأرشفه على وعد أن ألاحظ نسبة الحليب في المنزل لأجعله متوفّرًا قبل انتهائه

النسكافيه هو ما يسعدني. في مرحلة إعداده أشعر وكأنني أعدّ نفسي للسعادة. أو أنني أهيّئ السعادة لتزورني !

القهوة السوداء تثير بي حنينًا موجعًا لماضٍ أحبه كثيرًا .. القهوة التركي الغامقة جدًا، كم هي مخلصة. نفس الرائحة التي كانت هناك عندما كنا نجلس سويًا نتناول البيتزا والكيك ونتحدث عن الأطفال والرجال والأردن .. نفس الرائحة الآن، أنت وحدك، تؤنس وحدتك برشفها ببطء، وتقنع ذاتك أنّ الرائحة يومًا ستلفّ جلسة قادمة كبلسم على روحك.


القهوة مخلصة. والنسكافيه سعادة. والشاي.. لم يخلق لي

09 July, 2010

وعجبي


الرجال الذين لم تلعب بعقولهم الثقافة السائدة بأنّ المرأة القوية تهدد سلطتهم، يعجبون بها، يحبونها، يحبون أن تكون حياتهما معًا مبنية على التنافس (لا النديّة، هناك فرق)، ولا يهتمون كثيرًا بأن يكونوا هم الفائزين، لأنّهم يستمتعون برفقة النساء الواثقات. ويعلمون أنّ الفوز مرة والخسارة أخرى من قوانين اللعبة !


هؤلاء الرجال يعلمون جيّدًا أنّ غيرهنّ سيتعاملن معهم بالحيلة والمكر كتعويض مباشر لحالة الضعف والمسْكَنَة التي يتظاهرن بها أمامهم.

بينما أولئك الذين غزت عقولهم ثقافة الخوف من المرأة التي تعرف أكثر من اللازم، دون تحديد واضح لما هو لازم لمعرفة ما هو (أكثر) منه، يستمتعون ببسط سيطرتهم على المرأة. ورؤيتها أقل منهم في كلّ شيء، ذلك يشفي بدواخلهم إحساسًا دفينًا بالنقص لا يعرفون (ولا أعرف) كنهه.

يريدون أن يشعروا أنّهم الأفضل، الأعلى، الأقوى، في المطلق، دون أن يعرفوا أنّهم بذلك الفريق الخاسر تمامًا. لأنّ النساء يردن لهم أن يكونوا كذلك، فتكون وظيفتهنّ أن ينلن ما أردنه عن طريق إيهامهم بأنهنّ تمامًا كما أرادوا لهنّ !

وشاهد المهزلة.

29 June, 2010

ـ ظل الأفعى .. ’المظلومة‘ـ


طالما ألجمني التعليق الذي يهاجمني به أحدهم عندما يكون النقاش حول الأنثى والذكر. فيقول لي ذكر فخور بذكورته لمجرد أنه وُلِد كذلك بينما شاء حظي العاثر أن أكون أنثى (بالمناسبة وعليّ أن أعتاد ذلك ! وأبدأ بالتعامل مع الأمر كما ينبغي لأي أنثى تحترم نفسها!)

التعليق هو: آدم جاء أولا !

قيلت أمامي أكثر من مرة، فيتخذ الحوار مجرى آخر، ثم أتأمل، هل الأفضلية لمن جاء أولا؟ عيسى بن مريم لم يكن له "آدم" جاء قبل "حواء" .. بل جاءت حواء أولا وأنجبته دون زوج.. أي أنها لم تخلق من ضلع أعوج، بافتراض أنّ كل امرأة هي مخلوقة من ضلع رجل..

إذن كانت هذه النظرية خاطئة، أعني كون الأفضلية بالحضور الأول، لأن الحضور الأول كان للاثنين على حدّ السواء..
لا أدري لم تحضرني هذه الإجابة وقتها !
يتسنى لي أن أقتنع في كثير من الأحيان من مشاهدتي أنّ المرأة لم تخلق من ضلع ٍ أعوج لرجل، وإنما خُلِقَت من ضلعٍ لرجلٍ أعوج !

هذا ما يجعلها تشفق عليه وتحنو عليه للنهاية !

اجعلني وحدي كخاتم على قلبك، لأن المحبة قوية كالموت

هذه الرواية للكاتب "يوسف زيدان" هي مجموعة رسائل من أم مكلومة اضطُرَّت لترك ابنتها الصغيرة في رعاية جدّها لأبيها عقب وفاة أبيها وهي صغيرة. تقول لها – في الرسائل – أسرار الأنوثة المخفية على معظم الناس، وتكشف لها الحقيقة التي دفنت بمرور الزمن، والتي حوّلتها ديدان القبر إلى رفات تشمئز النفوس من النظر إليه فضلا عن تأمله !

تتسم الرواية بالألفاظ المميزة لأعمال يوسف زيدان، المتأثرة في عدة مواضع ببلاغة القرءان، وبها كم كبير من المعلومات التاريخية والتي تتعلق بالمخطوطات، والتي – بالطبع – تذكرك في كل لحظة بالمجال الذي يعمل فيه الكاتب. قد يرى البعض في هذا تباهيًا بالمعرفة ولكنّك، في كل الأحوال، لا يمكنك الادعاء بأنّ رواية مصاغة من أحداث اجتماعية قحة قد تكون أجمل!

بل على العكس، تمامًا.

تقول الأم:

فانظري إلى الدلالات كيف صار بعضها في اللغة العربية، مضادًا لألفظها ! للسخرية يقولون"فالح" واذا استخدموا وصف "فلاح/فلاحة" فالمراد ازدراء هذا الرجل أو تلك المرأة، مع أن الفعل"فلح" فعل مدح، والممدوحون في القرآن هم: المفلحون!

في المقابل، يقولون"شاطر، شاطرة" للمدح، بينما الشاطر في الأصل هو الذي شطر عن أهله وانفصل عنهم وتركهم مراغمًا أو مخالفًا! يقول ابن منظور في لسان العرب ما نصه: الشاطر هو الآخذ في نحو غير الاستواء، ولذلك قيل له شاطر لأنه تباعد عن الاستواء. ويقول الفيروز أبادي في القاموس المحيط: الشاطر هو من أعيا أهله خبثًا!.. وقد استخدم لفظ الشاطر دومًا لوصف قاطع الطريق ومن انطحن ظلمًا حتى اضطر للسرقة والنهب. فتأملي هذا يا ابنتي !

وإذا أرادوا الإعلاء من شأن شخص قالوا:"ابن ناس/بنت ناس" مع أن هذا التعبير ظهر في الزمن المملوكي للسخرية العامّة.. السخرية الشعبية غير المعلنة، من هؤلاء الحاكمين الذين لا يعرف لهم أصل، ولا أب لهم، فهم: أولاد الناس!

والناس في بلادك يصفون الرجل الشاذ جنسيًا بأنه لوطي نسبة إلى النبي التوراتي لوط !
وتقول:
في فجر وعي الإنسان بذاته، وبالعالم، ارتبطت فكرة الوجود الحيّ، بالدم. فقد عرف الإنسان الأول، أن هذا السائل الأحمر هو السر في حياة كل حيوان وإنسان، فالدم سر الحياة. والدم في الأنثى، يفيض كل شهر، وكأنه إعلان دوري لامتلاكها سرّ الحياة. وكان الإنسان الأول في زمن الحضارات الأولى يعتقد أن الدم هو السائل المقدس الذي يرقى لأن يراق على مذبح الآلهة. ولئن كانت الأنثى تريقه من بطنها بانتظام، كل شهر، فهي بطبيعتها مرتبطة دومًا بهذا الفعل المقدّس!

01 March, 2010

يوميات ساحر متقاعد

كتاب رائع، يمس شغاف القلب ويحرّك الحنين في قلب استوى على نار هادئة للفقد، كتاب يحرّك رغبة مكنونة للآخر البعيد، ذلك الذي يملك القلب ويعشق الجسد، ويشعل النار كي يطفئها.

التهمتُ الكتاب التهام العشّاق، لا وقت لنضيّعه في البُعدِ وتأجيل المتعة، وحزنتُ أن انتهى سريعًا رغم أنه من القطع المتوسط، وبحجم رواية "محترمة".. 269 صفحة

أسلوب د. ياسر في الكتابة سلس وشِعري جدًا. تعبيراته جديدة كوجه تراه لأول مرة منذ عقود، أو كثمرة صغيرة تسقط على رأسك فجأة وأنت شارد الذهن.

يقول في غلافه:"أول شروط الكتابة أن نكون كما نحن، ببساطة البشر وأخطائهم وحقيقتهم المجردة.. فلا تجعلوا مقصّ الرقيب يقصّ ألسنتكم أو يحوّل حياتكم إلى شريط سينمائي حَذَف منه الرقيب كل اللقطات المهمة واللحظات الكاشفة"
د. ياسر ثابت، صاحب مدونة قبل الطوفان يتحدث عن بعض ذكرياته أثناء تجواله حول العالم، ويجيب على أسئلة طرحت عليه من قِبَل بعض المدونين.. يتحدث عن الحب، الجنس، الصداقة، الأخوة، الأم، والسيدات الكبار، التدوين، الغربة والأوطان.

الكتاب، إصدار دار العين، بعضه مقالات كتبت قبلا في المدونة الخاصة بالمؤلف. لكنّ حلو حديثه يجعل الكتاب مطبوعًا بين يديك متعة خاصّة تستحق الاستئثار.

فوجئتُ عندما أجاب على سؤال:"تخيل أن طفلك الأول فتاة، ماذا كنت ستسميها؟"
وأجاب: "إيمان" ... اسم يحمل قدرًا من الثقة والوداعة والسكينة، كروح بحّار تجاوز خطر العاصفة.

ساعتها شكرتُه في أعماق نفسي، ولا أدري لِمَ. فأنا أعلم تمامًا معنى اسمي، ربما للصدفة الجميلة :)

د. ياسر يريد أن يجعل الحبّ مبصرًا جيّدًا كصقر، كي يحب كل إنسان من يستحقه، ويتمنى لو يمتلك دارًا للنشر ليقوم بنشر أعماله وأعمال أصدقائه، والمدونين والمبدعين.

يعترف لكل النساء:"يحب الرجل حين يعترف لحبيبته: حياتي حرير أبيض يستلقي مثل ندف الثلج فوق حقلك. وهو يعشق حين يضبط نفسه وحيدًا وقد استسلم لرائحة المرأة التي يحبها. ويذوب شوقًا حين يمشط شعرها المبعثرعلى أشجار روحه"

الكتاب يستحق أن تلتحف به في ليلة باردة، أو تذوب فيه مع كوب شوكولا، أو تتبادل قراءته مع حبيب يملأ فراغ روحك.

ـ

12 February, 2010

محاولة

تبتاع مذكرة جديدة لأجل أن تكتب فيها، ترشو نفسها بقلم فاخر لربما أثار شهوتها للكتابة، تفتح موسيقاها المفضّلة، تغلق الباب فلا يصلها إزعاج أحد. تمسك القلم. تحاول الكتابة. تفشل. تحاول مرة أخرى. تفشل، كثيرًا.

تفكّر أنّ السبب أنّها لم تهيء نفسها للقصة كما ينبغي، تقوم بإبدال بنطالها الجينز، والتي شيرت الرياضي، ترتدي فستانًا ناعمًا أبيض اللون يكاد ينافس لون بشرتها، تشعر أنها تخففت من وزن ثقيل. لربما يسهل للفكرة أن تقتحمها الآن. كيف يمكن أن تقرر من يمكنها أن تكمل معه حياتها؟ ذلك الذي ستحبّه بكلّ جوارحها ويحبّها بكل دقّات قلبه، من يقرر من تتزوج؟ كيف تثق بقرارها؟ كيف تتأكد أنّها لن تندم؟ أنّها لن تجد ذلك الشخص بعد أن تكون قد تزوجت فعلا !

إذن تظلّ وحيدة ! تنتظر حتى الأبد ذلك الذي لن يأتي قط، الأبطال لا يأتون إلا في الأفلام، ستشيخ وتندم، في نهاية عمرها، على أنّها لم تولد صمّاء، ستحسد تلك التي استجابت لأوّل طارق، وأخرى لم تر زوجها إلا يوم الفرح، وستندم لأنّها استخدمت تلك الخلايا القرمزية اللزجة في تحليل ما لن ينفعها الآن في دار المسنّين، حيث تمضي يومها دون زيارات، ودون أشياء مثيرة كتلك التي كانت تفعلها وحيدة في شبابها !

لكنّها، كأي كائن بشري يحبّ إلقاء اللوم على غيره، ستلوم الجيل السابق لها، حينما تزوجوا بتقليدية جدًا ومع ذلك نجحت زيجاتهم، لكنّهم منعوا ذلك النجاح عنّا، وكأنّ الأجيال تحارب بعضها، ستلقي اللوم على ذلك البطل، كانت تنتظره طيلة عمرها ولم يأت، فهل هذا خطؤها أيضًا؟ لا مانع أن تلوم أيضًا كلّ من حولها ممّن جعلوا فكرة الارتباط بشخص ما، طيلة حياتك، جعلوا ذلك الالتصاق اللصيق فكرة عصيّة على الفهم، في مجتمع يحيط كلّ أفكار الشباب بهالة محرّمة لا يمكنك أن تحكي عنها فضلا عن أن تخترقها !

نعم. تبدو هذه فكرة مناسبة للكتابة عنها، اختلست نظرة للمرآة مبتسمة، ثم أخذت تكتب وتكتب، حتى امتلأت المفكّرة الصغيرة، وجفّ القلم.

ـ

06 February, 2010

نحو الضّوء - الجزء الثّالث

الفرق بين النهي والتحريم- ما هو الإله

"ما هو الله؟ وكيف نفهمه؟ وكيف نؤمن بأنه رب واله؟ البحث عن الله، بحث خاص بالموجود العاقل. وهي مرتبة مرتفعة في الدرجة عن معارف الموجود غير العاقل. فالنحل مثلاً كموجود غير عاقل يعلم كيف يصنع العسل، ولكنه لا يعلم بأنه يعلم كيف يصنع العسل، ولو علم ذلك لغّير في صناعة العسل وطورها. فمن هو الكائن الذي يعلم بأنه يعلم كل شيء، وبيده صيرورة الأشياء كلها، مسيطر عليها ومتحكم فيها؟ إنه الله وليس غيره. ولكن، من هو الله في ماهيته؟"

وإجابة مقنعة:


" كينونة الله عند الله هي الله، أما كينونته عندنا وبالنسبة لنا فهي الأسماء الحسنى. ولهذا لا نجد لفظ الجلالة في التنـزيل الحكيم مفرداً أبداً، بل مقترناً بصفة من صفاته تعالى، وفي هذه الصفات تظهر الألوهية والربوبية.
فالله لذاته هو الله (لفظ الجلالة) والله لنا هو الغفور وهو الرحيم وهو الرزاق وهو الرب وهو الإله.
لدينا المعادلة: 2+2 = 4. إذا أخرجنا منها العدد 2، وجردناه عن كل صفاته وعلاقاته، صار عدماً، عدداً بلا كينونة، وتحولت المعادلة 2+2 = 4 إلى حالة عدمية (حالة عقلية ومعرفية بحتة) مجردة عن كل كينونة. ومن هنا قلنا سابقاً إن علم الله علم بحت مجرد {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} (الجن 28). وقلنا إن الرياضيات هي أرقى العلوم قاطبة، لأنها علاقات مجردة بحتة، ودالات بلا مدلولات. فعلماء الرياضيات يبحثون في العلاقات المجردة البحتة، وعلماء الطبيعة بمختلف فروعها يبحثون عن كينونة هذه العلاقات في الوجود، ويحولون الدال البحت المجرد الى دال ومدلول.

إن الإشارة الرياضية المجردة إشارة اعتباطية، لا تنتفي اعتباطيتها إلا عندما تتلبس في كينونة ما. ومن هنا نقول إن الله لا لغةَ له. فهو لا عربي ولا انكليزي و لا تركي. لأن الإشارة اللغوية إشارة اعتباطية دالة فقط، لا تأخذ معناها الإ عندما تتلبس في مدلول ما. ومن اللغة التي هي تجريد ومن الرياضيات التي هي تجريد أيضاً، يظهر لنا دور الكلمة في تطابق الدال والمدلول، ويتضح لنا معنى أن يقول الله للشيء المراد كن فيكون، وينجلي لنا معنى أن كلمات الله هي الحق وهي الوجود المعين والمحدد، أي أنها انتقال الدال من إشارة اعتباطية الى إشارة صارمة محددة المدلول هي "الكلمة".

فالوجود الذي هو كلمات الله وجود صارم غير اعتباطي، وهذا يلغي القول بالصدفة والاعتباطية في الوجود، إذ الاعتباطية تكون في المجردات فقط وليس في الموجودات. وهذا ما نلاحظه في الانسان. فعندما تفقد الكلمات مدلولاتها ولا يبقى ما يقابلها على أرض الواقع تصبح عدماً، أي مجرد أفكار اعتباطية. ولعل المهرجانات الخطابية وبعض خطب الجمعة في الجوامع خير مثال يوضّح ما نقول."


والقرآن وحي من الله إلى رسوله، ورسالة للناس جميعًا. ذلك الإعجاز الذي أساء فهمه الكثيرون، وحوّله البعض إلى آيات جامدات لها تفسير واحد لا حياد عنه ولا إضافة ولا اجتهاد، أيمكنُ أنّ الله الذي أنزله كي يصبح نهاية الكتب، يرضى بأن يكون تفسيره ضيّقًا محدودًا مُحال التطبيق في غير بيئة معيّنة وزمن معيّن بحيث يستحيل مع المسؤول اليوم أو حتى الفرد العادي أن يسيّر أموره الشخصية إلا في صورة معيّنة؟ وهو ما لا يحدث أصلًا؟

كلّ هذا التناقض بين ما يجب أن يكون عليه المسلمون، وبين ما هم عليه في الحقيقة، ولزمنٍ طويل بَقِيَ بابًا موصدًا مفتاحه بأيدي بعضِ من أتاحوا لأنفسهم أن يحلّوا محلّ الإله، ليقولوا لبقيّة الناس هذا حرام وهذا حلال. فلا يستطيع النّاس سبيلا إلى حلال قد حُرّم عليهم، وموشكون من اقتراف إثمٍ لا يعلمون من جعله كذلك، سوى فلان أو فلان.

[الشريعة الإسلامية شريعة مدنية إنسانية ضمن حدود الله، صالحة لكلّ الأرض ولا داعي لوجود عقيدة جديدة، إن لم توجد حدود ضع أنتَ حدودك، لكنّ الحدود التي تضعها أنتَ متغيّرة، كل شيء يضعه الإنسان لا يأخذ الطابع الأبدي على الإطلاق] حدود الله هي الحدّ الأعلى للعقوبة، قالوا على عمر بن الخطّاب أنّه عطّل حدود الله بعدم إعدام القاتل وإلغاء عقوبة السارق،ما حدث أنّه فقط لم يطبّق الحدّ الأعلى لكنّه عمل ضمن حدود الله بما ارتأى له في حينه. هذا هو الحدّ الأعلى في السرقة، قطع اليد.

نأتي للفرق بين التحريم والنهي، التحريم هو ما حُرِّم في كتاب الله حصرًا. لأنّ التحريم شمولي أبديّ، بينما النهي ظرفيّ. وليس مؤهّلا لوضع أحكام شمولية وأبديّة سوى خالق البشر.

حتى الرسول عليه السلام لم يكن في سلطته التحريم، لكنّه فقط كان ينهى
"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".. كان الرسول عليه السلام يقيّد ويطلق حسب ظروف مجتمعه وبما يتناسب مع أصحابه حينئذ. ما كان يفعله هو تقييد المطلق، كقانون السير مثلا، ولكن حتى تقييد المطلق ظرفيًا وليس أبديًا. وهو ضروري طالما وُجِد مجتمع، فإن الحلال لا يُمارَسُ إلا مقيّدًا وفق ما يناسب المجموع. لا يمارس الحلال مطلقًا إلا لو كنتَ وحدَك !.

تمّت

23 January, 2010

نحو الضّوء - الجزء الثّاني

حسنًا، سُئِلْتُ عن الأبيات التي ألحقتها في الجزء السابق، الموقع – مصدر الأبيات- عرفتُه بالمصادفة في نفس اليوم، وكنتُ أكتب المقال أثناء استماعي للقصائد، فإذا بهذه الأبيات تعْلَقُ في ذهني، والتي ذكّرتْني بحالتِي وقت قراءة الكتاب، معانيهما تليق – بشكل ما – بسياق الكلام في المقال ذاته، في البدء كنتُ أتحدث عـن وحدةِ البَشَر من المُخَلّص الذي سينشلهم من عذاب أليم إلى وعدٍ بجنّات النعيم مع معجزات حيّة تُثلِج صدورهم، والأبيات تدور حول الموضوع بشكل أو بآخر. ونفس الأمر في المرّة الثانية، فالإيمان لا يأتي إلا بعد شكّ وحيرة وبحث، ولنا في قصّة إبراهيم عليه السلام مثال.


إلى من لا يحبّون الشِّعْرَ، يمكنُكم تمرير\ تجاهل الأبيات المقبلة – إنْ وُجِدَت-.


أريد قبل أن أشرع في بدء هذا الجزء أن أوضّح ثلاثة أشياء أسياسية لابدّ من فهمها، الكينونة والسيرورة والصيرورة. عندما نلحق بها أمّة ما، فنقول كينونة الأمة أي كيانها ووجودها، سيرورتها أيّ تاريخها، وصيرورتها أيّ تطوّرها.


" لقد انطلق الطرح التراثي من مبدأ " الحفاظ على التراث" و"الحفاظ على الهوية" فأهمل العلوم الإنسانية ولم يعبأ بالفلسفة وعلومها التطبيقية، ورفع شعار من تمنطق فقد تزندق، واستحكم العداء وتأصل بين الفلسفة والطروحات الإسلامية، حتى صار التفلسف إسفافاً، رغم أن الفلسفة الإسلامية لم تزدهر إلا في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية.


ونحن نرى بوضوح فقدان البعد الثقافي الإنساني المعاصر في هذه الطروحات، يتجلى، كمثال، عِداءً بين الفقه الإسلامي والقانون المدني، مما جعل علوم النفس والإحصاء والاجتماع والاقتصاد لا تعني شيئاً عند أصحاب الطرح الإسلامي، الذين انعدم عندهم البعد الثالث، ويحاولون مع ذلك لاهثين الحفاظ على كينونة وسيرورة بلا صيرورة، بعد أن أوقفوا التاريخ وصيرورته عند لحظة معينة هي القرون الثلاثة الأولى، التي جعلوها أساساً يقيسون عليه كل ما بعدها. فغدت الثقافة العربية الإسلامية هشة ضعيفة يستحيل صمودها أمام ثقافات الأبعاد الثلاثة.
كما نرى بوضوح أيضاً كيف يتخبطون محاولين الحفاظ على هذه الثقافة:


أ ـ بالتركيز وبشدة على الشعائر (إقامة الصلاة / الصيام / الحج)، علماً أن هذه الشعائر ثابتة لا تدخل في الثقافة وإنمَّا تحدد هوية الانتماء إلى الرسالة المحمدية، وأن ما يدخل في الثقافة هو التشريع وحقوق الإنسان.


ب ـ بإضافة أمور على الشعائر بدعوى أنها ثابتة كالحجاب الشرعي، علماً أن الحجاب أعراف وتقاليد لا علاقة له لا بالإسلام ولا بالإيمان، ومع ذلك فقد جعلوا منه شعاراً سياسياً.
ج ـ بتغييب الحرية الإنسانية وحقوق الإنسان في طروحاتهم، وبتجاهل وتغييب النظريات الاقتصادية بكل فروعها وتفريعاتها.
د ـ بطرح شعار حاكمية الله، الذي ألغى بدوره كل مفهوم للخيار الإنساني.
هذا كله نفى الغائية بشكل كامل، وألغى بعد الصيرورة التاريخية بنفيه التاريخ، سواء في ذلك الحركات الإسلامية السياسية والمؤسسات الدينية. فالفرق الوحيد بين هذه وتلك هو شعار حاكمية الله، فالمؤسسات الدينية تخضع للسلطة السياسية تحت شعار طاعة أولي الأمر، والحركات السياسية تريد السلطة تحت شعار حاكمية الله.
وإذا سألتهم عن الغاية من هذا كله، والغائية عندهم منفية أصلاً، فالجواب هو: الآخرة. وكأن الغائية الدنيوية لا محل لها في طروحاتهم. لكن أطرف ما في الموضوع هو موقفهم من الصيرورة الغربية في العلوم التكنولوجية، التي قبلوها على مضض، بعد أن أمضوا قرناً كاملاً يناقشون خلاله مشكلة كبيرة عندهم هي: هل هذه التقنيات (كالبنطلون والراديو و التلفون والتلفزيون) حلال أم حرام.
إن الدنيا مزرعة الآخرة، وكما أننا نؤمن بالثواب والعقاب ويوم الحساب في الآخرة، ونؤمن بأنه لا دنيا بلا آخرة، كذلك نؤمن بأنه لا آخرة بلا دنيا. وكما نقول بأن الآخرة هي غاية الصيرورة الكونية، كذلك نقول بأن الغاية الدنيوية في الحياة الدنيا هي أساس الآخرة. لكن ما هي هذه الغاية الدنيوية؟
الغاية الدنيوية هي عبادة الله، التي يحكمها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، الذاريات 56(8). وحرية الناس في عباديتهم لله يطيعونه بملء إرادتهم، ويعصونه بملء إرادتهم، وهي أخيراً التحرر من القسر والجبر والإكراه.
ولاشك بأن مستويات الطاعة والمعصية متفاوتة بين العباد بحسب تفاوت هامش الحرية عندهم، مما يخلق تنوعاً نلحظه بوضوح، كما لاشك بأن للتكنولوجيا وتقدمها أثراً واضحاً في توسيع هامش الحرية والاختيار الإنساني، كالتقدم في حقل المواصلات الذي زاد في حرية الانتقال عند العباد، فزاد بالتالي هذا التنوع بينهم، تأكيداً لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} هود 118. ولقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} الأنعام 165. ولقوله تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ…} النمل 71. وصدق الله العظيم."


إذن.


"حياة الإنسان وحريته ورفاهيته غاية دنيوية، والجنّة غاية أخروية، والخير والشرّ مرتبطان بشكل لا انفصام فيه، لا ينفي أحدهما الآخر بل يتصارع معه، وهذا مربوط بظاهرة الموت. أي أنَّ وجود جدل الإنسان ووجود الكون مرتبط بوجود ظاهرة اسمها الموت، واقرأ معي قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الانبياء 35). ونفهم أن الغائية التي يرسمها التنـزيل الحكيم للوجود الكوني المادي هي الساعة والصور والبعث، وأن الغائية الدنيوية للإنسان هي الحياة والحرية، وأنّ الغائية الأخروية له هي الجنة."




الحديث يشرح نفسه، لذا سأنتقل إلى إشكاليّة أخرى، الجميع يردّد أنّ الإسلام هو الدين الذي لا يرضى الله بسواه، ويستدلّ بقوله تعالى(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينا فلن يُقبَل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران:85] ماذا عن ملايين غير المسلمين في الأرض؟ ما هو الإسلام حقًا؟ كلّ ما قالوه لنا أنّ الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشّرك. هناك الكثير ممّن يحققون هذه الصفات من غير المسلمين! الكثير من المخلصين الصادقين الذين يعلمون تمامًا بوجود الربّ ويدينون له بحيواتهم.
يقول الدكتور محمد شحرور: [كلّ من آمن بالله واليوم الآخر دخل الإسلام، فالإسلام يقوم على العلاقة بالله، أمّا غير ذلك فهم المجرمين، هم الذين قطعوا صلتهم بالله واليوم الآخر(هذه جهنّم التي يُكَذّب بها المجرمون)] لقاء تلفزيوني - قناة أوربت.


الدّين. كما ذُكِر سابقًا، ثلاثة جوانب.


أوّلًا: القيم والأخلاق.


وهي التي بدونها لا ترقى الأمم لسياق الإنسانيّة، لأنّها بذلك تتصرف وفق ما تمليه عليها غرائزها فقط، لا تستعمل عقلها، ولا تتعامل بحضارة كما ينبغي لأيّ أمّة تحمل قيمًا وأخلاقًا.
أيّ دولة، أيّ دين سابق، كان يحوي قيمًا وأخلاقًا. سُمّيَتْ، عند موسى مثلا بالوصايا العشر، تراكمتْ حتى اكتملتْ في الرسّالة المحمديّة، ماهي تلك الأخلاق الأساسية، والتي يجب على كلّ فرد أنْ يعملَ بها، سواء كان يؤمن بالله أو يكفر به، والتي يجب أن تُطبّق في كلّ الدول، أيًا كان تشريعها. هي قيم إنسانية لا يختلف عليها اثنان من أهل الأرض-فيما عدا القيمة الأولى، والتي لا تسري إلا على أتباع الرسالات- كما سيأتي:


"1 - الشرك بالله: يقول تعالى:
ـ { أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }. الأنعام 151
ـ { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا }. النساء 116.
ـ { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا }. النور 55.


2- بر الوالدين
3- قتل الأولاد
4- الفواحش
5- قتل النفس بغير الحق
6-البر باليتيم وعدم أخذ ماله
7- الوفاء بالكيل والميزان
8- العدل في القول والفعل ولو على الأقارب
9- الوفاء بعهد الله خصوصاً وبالعهود والمواثيق عموماً
10- نكاح المحارم
11- الربــا
12- أكل الميتة والدم ولحم الخنـزير"


ثانيًا:الشّعائر.


وهي التي تميّز أمّة عن أمّة، فالصلاة والصيام والحج الذي يفعله المسلمون اليوم يميّزهم عن غيرهم بأنّهم مسلمون من أتباع محمّد عليه السلام، ويميّز الشعائر ألّا إكراه فيها، ولا إجبار على فعلها، لأنّ النفاق يأتي من ذلك. فمن يُجبَر على الشعائر يصبح يفعلها لأجل أن يُرى فاعلًا لها لا متعبّدًا لله من خلالها. ولم يثبت قط عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه أكره أحدًا على إقامة شعيرة من الشعائر. حتى الحديث الوحيد الذي ذُكر بهذا الشأن كان بغرض الترغيب والترهيب لا الإكراه والقسر.


ثالثًا:التشريع.




"كل تشريع، حتى لو كان دينياً، يحتاج الى بينات علمية وإحصائية واجتماعية واقتصادية وسياسية بحسب حقل التشريع وموضوعه. ذلك لأن التشريع قيد يحد من حريات الناس، والحرية أقدس ما في الوجود. وكلما قل تدخل الدولة والتشريع في حياة الناس كان المجتمع أكثر صحة وعافية، وكلما زاد هذا التدخل، وتعددت مواد التشريعات وبنودها، تحد من حريات الناس وتضيق أفق اختيارهم، كان المجتمع مريضاً مقيداً."


"لقد تركتنا ثقافتنا المسطحة هذه ممزقين بين مستوي خطابي دعائي يصيح بنا أصحابه على المنابر وشاشات والتلفزيون: باب الاجتهاد مفتوح.. إن أخطأ المجتهد فله أجر وإن أصاب فله أجران" وبين مستوى موضوعي واقعي نجد أنفسنا معه عرضة للتكفير واللعن والاتهامات، لو خطر لنا أن نجتهد، ونقول ما لم يقله السلف، أو أن ننفرد بقول دون موافقة فقهاء السلطة، أو أن نتعرض بالنقد لأصول الفقه و أصول التفسير. والحقيقة أننا في أمسّ الحاجة لفتح ملفات الأصول والبدء بإعادة التأصيل، بدلاً من أن نظل ممزقين بين صائح في عيد العمال ومهرجاناته: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وبين واقع مؤسف مؤلم، لا يأخذ فيه الأجير أجره إلا بعد أن يجف عرقه وجلده وحلقه.
بين منادٍ في عيد الأم: الجنة تحت أقدام الأمهات، وبين واقع يزعم فقهاؤه ومحدثوه أن معظم أهل النار من النساء. وكأن الأمهات لسن من النساء، أو كأننا ندعو الابن إلى البر بوالدته، فإذا فعل ذلك ذهب هو إلى الجنة، وذهبت هي الى النار. أما في مهرجانات أسبوع العلم فنحن ممزقون أيضاً بين خطيب يتشدق بأن الإسلام دين العلم والعقل، وأنه يحض على التفكير، وانه يأمر بالتدبر والتبصر، وبين ممارسات واقعية تمنع الناس من التفكير والتدبر خوفاً عليهم من الضلال، وترسم للناس دوراً لا يخرجون عنه، هو الاستغفار، فإذا اعترضتهم مشكلة أو سؤال فما عليهم إلا الرجوع إلى العلماء ورثة الأنبياء المختصون المتخصصون للحصول على الحلول والأجوبة، لأنهم مفوضون بالتفكير عن الناس.
هذا التسطح في ثقافة ذات بعدين، نجده عند معظم الاتجاهات العربية، نجده حتى عند رافعي الشعارات في المهرجانات والأسواق الخطابية، الذين ينادون بالوحدة العربية، بينما الإنسان العربي يجد من الصعوبات في الانتقال بين أقطار وطنه الكبير أضعاف ما يجده الياباني والأميركي. وينادون بالحرية والعدالة بينما ما زال القسم الأكبر من الوطن العربي يعيش في ظل الأحكام العرفية، وينادون بالمساواة، بينما ما زالت الامتيازات الأسرية والعشائرية والمذهبية تعشش في مجتمعاتنا بأحسن صحة وعافية.
تعال معي في جولة بين شعارات حرية الكلمة وحرية الصحافة، وبين واقع هذه الحريات وسيشتعل رأسك شيباً. ابحث معي عن مصداقية الشعارات في المهرجانات والمواسم وستحتاج إلى مجهر إلكتروني. والسبب هو أن كل ثقافة مسطحة ذات بعدين فقدت بعد الصيرورة تحاول أن تصنع بعدها الثالث خطابياً وكلامياً، وأن تصوغه في شعارات تطرحها بالمناسبات.
أين بعد الصيرورة عند كل الحركات السياسية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وهل أرست منطلقاتها النظرية الفكرية في تأسيس الدولة المدنية وضمان الحريات الفردية والعامة ضمن صيرورة جديدة، إن كان كذلك فأين برامجها التي تتناسب مع الواقع المعاش، وتجد مصداقيتها على أرض الواقع المعاش لا في خيالات الخطباء والشعراء؟."


* اللقاء.


* الكتاب.

04 January, 2010

نسيان دوت كوم

أتيتَ
قلتَ بأنّك نسيت قلبَك عندي
نظرتُ إليكَ طويلًا،
طويلًا،
وقلتُ لك،
رأيتُكَ من قبل، حتمًا،
أنت الذي،
أحببتُك من قبلُ، يومًا،
ورقتُ لكَ ساعةً من الوقت،
وانتهيتَ.
منحتُكَ بالفعل، عُمْرًا،
منحتَني وعـدًا جميلا،
وانسلَـلْت.
قلبي الآن لا يذكُـرَكْ،
وجهكُ كالغرباء،
صوتُك كالغرباء،
عفوًا،
كنتَ تقول؟


بدءًا.
الإهداء عجيب، عجيب بشكل إيجابي أن يهدي الكاتب جُهده إلى لصوصه !

هذا كتابٌ للنّساء الغبيّات، للنّساء الساذجات، بعض النصائح حقيقي وربّما يؤدي إلى نتائج لا بأس بها مع بعض الـ - غبيّات، الـ ساذجات، أقول ربّما، لكنني لم أعتد أن أقرأ كتاب لكاتب يتحدث من مقام عاجّي لقرّائه !

أن يتحدث الكاتب عن البعض من برجه العاجي، كأن تقرأ شعرًا يهجو فيه أحدٌ أحدًا، أو تقرأ نثرًا ينقد فيه واحدٌ آخرَ، غيرَ أن تقرأ كتابًا لكاتبة تسبّك، هذا ما شعرتُ به حقيقة، أنّ الكاتبة تحتقرني شخصيًا ! نفيًا كون ذلك من منطلق أنني أحاول نسيان رجل بكتابها، بل كقارئة عاديّة، شعرتُ أنها تحتقرنا نحن النساء اللواتي نقرأ كتابها !

لم أشعر بهذا في أيّ كتاب من قبل ! طيّب ما ذنبي أنا أن أشعر بهذا الشعور ينضح بين سطورها؟ أزعم لو أنّني أحاول نسيان رجلٍ بكتابها لما فعلتُ، ولأحرقتُ كتابها بسيجارته، قبل أن أطفئها وأتركه لأنّه مدخّن !

بقولٍ آخر، هو ليس كتاب نسيانُكم – أيّها الرّجال – بلْ، نسيان دوت كوم، لأوّل مرّة، أندم لأنّ ما بين يديّ صاحبتُه مستغانمي، كتاب تجاري بحت، ورقه أصفر شاحب، ومُتْخَم بالأخطاء الإملائية، تلك التي قد تتجاوز عنها في مقال على أيّ موقع تتصفّحه، بحجّة أنّ الكاتب على عجلٍ يريد إيصال ما لديه للقرّاء، ولا وقت، أو مال لتعيين مراجِع\مدقّق، إن كانت هناك وظيفة مراجع بالأساس في الدول العربية !

فما بالك بكتاب ابتعته بـ 40 جنيهًا، على أمل أن تلتذّ به في سريرك مع فنجان الشوكولا السّاخن؟
الشعور بشع جدًا.

بالإضافة للأخطاء الإملائية، هناك تكرار لخطإٍ لغوي ! لا أدري إن كان متعمّدًا أم لا، لكنّه في سياق الحديث الفصيح ترد كثيرًا كلمة " مُشْكِلْ " اللهجة الجزائرية لكلمة "مشاكل\مشكلة" ! هل هذا متعمّد حقًا؟

أحلام هذه المرّة تمزح معنا ! حتى بعض الاقتباسات المطروحة في أوّل كلّ فصل لم تُغْنِني عمّا سبق ذكره، للأسف.

02 January, 2010

نحو الضّوء - الجزء الأوّل



بدء


من أين أبدأ؟ وقد انتهتْ كلّ البدايات، ولم يعد الكلام مُجديًا، في أغلب الأحيان.. لكنّ الرغبة في الحديث لا تتوقف أبدًا. ونعتذر للحروف التكرارَ الخَجِل.


هذه المقالات، ثمرة قراءة شخصيّة، بذرها كتاب " نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – محمد شحرور "، حيث توقـن بعد أن تنهيه، أنّ إحساسك كان صادقًا، وألّيس كلّ ما تعلمته صغيرًا، يكون بالضرورة صحيحًا. وأنّ ما يجري على غيرك لا يعني بالضرورة أنّه عليك يجري.
أرجو ألا يفهم أحدٌ خطأً، ما أكتبُ، ما سيأتي يحتاج إلى عقلٍ راجح، ومصارحة مع النّفس بأننّا بعد كل تلك الأعوام من الظلام والفساد والبلاء العالق بالأمّة - رغم ادّعاء التديّن- بحاجة للنظر للأمور من زاويةٍ أخرى.


نعلمُ يقينًا أنّه قد نُفِضَ زمن المعجزات، وألّا نبيّ جديد سيأتي ليخبرنا أنّنا على حقّ ويأخذ بأيدينا إلى النّصر بعد طول ظمأ، وأنّنا قد تُركنَا لما لدينا، وألا جديد سوى ما نكتشفه نحن. وأنّه ما مـنْ وحْيٍ جديد نسأله العَوْن، سوى ما يوحيه إلينا الوحي القديم.


علينا أنْ نصرّف أمورنا بما لدينا، هذا يعني، أنّ لدينا ما يكفي ويزيد، وأنّنا نستطيع- لو شئنا- أنْ نفهم كلّ شيء دون حاجة إلى مساعدة من لّدنِ السماء. أنّنا، وبعد أكثر من ألف عامٍ من الوحي الأخير، وصلنا إلى علوم ومعارف تتيح لنا ما لم يُتَح لمن قبلِنا. وأنّ لدينا من الأدوات ما يمكنّنا من إثباتِ، أو دحضِ لما تصل إليه أيدينا.


(في ذاتِ الدّواة سقطنا،
من جناح طائر،
سـقـْطَـتُـنا رنّحتنا ريشتين في ذاتِ الدواة.
من يكتبُ بنا هذا العالَم؟
من يبقينا عسيرين ويسيرين؟
ويُسْعِفُنا بنا،
فنكتُبُ العالَم
منْ يكتب بنا هذا العالَم؟
لنا أنْ نصعد القمر،
ونقول: لنا أن نطعن القول،
نصمتُ.
قَمَرٌ، وقولٌ لنا.
وللكفوف شهوة العميان.) *




بعد البدء
النصوص بين القوسين ( ) عبارات مقتبسة سيرد مصدرها في حينه.
النصوص بين علامتي التنصيص " " مصدرها كتاب المؤلّف.


1.ماهيّة الدين


إذنْ. الرّسالة المحمّدية، رسالةٌ أخيرة لكلّ العالَم. عليها أن تصلح لكلّ مكان وزمان يلي مجيئها، حتى يأذن الله بانتهاء الوقت. كما صلحتْ للعرب الأوائل وأمكَنَ تطبيقها في الجزيرة العربية وأسّست قواعدها في أوّل دولة مدنية بالمدينة المنوّرة وكان أتباعها بدو من عرب الصحراء. يمكن تطبيقها الآن في أيّ دولة أخرى. أيًا كان سكّانها.
ـ
"فإن قيل (وما أكثر من يقولون هذا) إن الاسلام شيء، ومانراه ونسمعه شيء آخر، أو إن قيل إن الاسلام شيء، والمسلمون شيء آخر، فهذا يعني عندنا أمرًا واحدًا، هو أنّ الإسلام دين نظري يعيش في فراغ، ويتجسد فقط على صفحات الكتب، كتب القرون الذهبية الاولى، وكتب التفسير والصحاح والمسانيد والسنن، رغم ما فيها من اختلافات وخلافات، وما فيها من غوامض وإشكالات. أين مصداقية الرسالة المحمدية؟ وأين هو الإسلام الذي نزل وحياً على قلب رسول الله (ص) منذ أربعة عشر قرناً؟ وأين نجده الآن؟ الجواب على هذه الأسئلة مشكلة كبيرة جداً، والتصدي لها مشكلة أكبر. فإن قلنا (كما يقولون) إن الاسلام هو واقع المسلمين (الأمة المؤمنة بالرسالة المحمدية)، صدَمَنا هذا الواقع، إذ لن تجد على ظهر هذه البسيطة أمة مهانة متخلفة كهذه الأمة، واقعها خير مثال للوجه النقيض الآخر لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ…) (آل عمران 110). وإن قلنا ابحثوا عن الإسلام في العالم كله، ابحثوا عن مثله العليا وعن أخلاقه عند جميع أمم الأرض. قامت الدنيا ولم تقعد. إذ كيف نبحث عن الإسلام عند أمم لا تؤمن أصلا بأن محمدًا رسول الله. وإذا كان الأمر لا هذا ولا ذاك.. فأين نبحث إذن، وكيف نبحث؟ في الأزهر والزيتونة والنجف الأشرف.. أم في مكة وقم وبغداد والقدس؟ وهل نبحث عن الاسلام بعيون الشافعي ومالك والصادق.. أم بعيوننا نحن اليوم؟ وهل نتلمس الإسلام في الكتب أم في الواقع؟ فإن قلنا في الواقع، ففي أي واقع نعني؟ واقع القرن السابع الميلادي، أم واقع القرن العشرين؟ حتى حين نصل أخيرًا إلى القول بأن البحث يجب أن يبدأ وأن ينطلق في ضوء فهم كتاب الله وتنـزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ترانا أمام إشكاليات جديدة، وأمام أسئلة جديدة، وأمام حواجز جديدة تمنعنا من محاولة البحث عن الإسلام في آيات التنـزيل الحكيم." مقدمة الكتاب
ـ
(هل حدّثتُك عن الحيرة؟
الأمر الذي يتعدّى وقوفنا أمام لوحتين
أيّتهما أجمل !
الأمر الذي يُجاوز كلَّ أحلام البُسَطَاء،
والخيارات المحددة لهم سلفًا في الحياة
الأمر الذي نقف عنده الآن
وتعجز أيادينا عن بسط محتواه،
أسبابَه،
ختامَه،
في الحياة.. كلّ الأمور تؤول إلى منتهاها،
ومنتهى العزم سيؤرقك !
سيؤرّقُ كلانا
سيغلق على مدارك الخيال،
سنحجرها بمسافاتٍ ضيّقة،
حتى لا نبكي) **
ـ
ـ
" إن للدين جوانب ثلاثة: جانب المثل العليا الذي لا يمكن فصله عن الدولة ولا عن المجتمع، وجانب الشعائر الذي فصله رسولنا الكريم عن الدولة منذ العصر النبوي، وجانب التشريع والأحكام الذي يرسم حدود الله في حياة الفرد والدولة والمجتمع، والمشكلة هي في هذا الجانب الثالث."ـ


ـ* سوناتا النسيان الجميل
ـ** لئلا يستحقَّ أحد


يتبع

01 January, 2010

صبا الصوت



صبا الصوت، مشروعٌ طازج.. أفتتح به صباح عامي الجديد، أستمع إلى الشّعر وأكتب.. حلمُهم إنشاء مكتبة ضخمة من الأعمال الأدبية المسجّلة صوتيًا.. كما يقولون عن أنفسهم:ـ

ونحنُ، في صبا الصوت، نعملُ في مَجَالٍ حَسَّاسٍ وراقي: رقمنة المعرفة باللغةِ العربية، أي جعلها في متناول طرق التلقي الحديثة، صوتاً وصورة، ونعملُ على تسهيل انتشارها، وتيسيرِ فهمها.

وليست المعرفة الجامدة هي ما نبغي، ليست علوم الرياضيات والفلك والطب، بل المعرفةُ التي ترتقي بالإنسان عن طريق مخاطبة وجدانه، المعرفةُ التي تصنعُ لنفسها حُلماً، ثم تنفذه بإرادةِ الإنسان الذي لم يعد تائهاً بعد الآن، الإنسان الذي بمقدورهِ دوماً أن يُعاودَ صُنعَ الأشياء، إذا امتلكَ إيماناً كافياً بأهميتها، الإنسان الذي يُفكر خارجَ مساحة وجدانه، ليشمل تفكيره كل من حوله

أرجو أن أتشرّف بالمساهمة معهم يومًا ما