أقلّ شيء قد يستفزني رغم أنّي لا أُسْتفز على الإطلاق ! أتحدّى حد يفكّ الشفرة دي!
في كتاب جون غراي الأخير، الزهرة والمريخ معًا للأبد، يحلّل ما وصل إليه حال الأزواج والزوجات، ويفسّر أسباب الطلاق والشقاق الزوجي بكافّة معانيه المعنوية والماديّة، يقول أنّ شكل العلاقة بين الرجل والمرأة لابد أن يختلف معنويًا كما اختلف ماديًا بحكم الزمن، ففي السابق كانت متطلبات الأسرة السعيدة - السعيدة لا المستقرة فقط-، ذكر يجلب الطعام ويحمي أنثاه وصغارهما، بينما تعتني الأنثى بالـمسكن وترعى الصغار في غياب الذكر - والذي يكون بالأيام على الأقل- حتى يعود، فتعتني به أيضًا، وتتكرر القصّة.
فقط، تصبح هذه أسرة سعيدة جدًا.
وحتى زمن قريب جدًا، جيل جدتي وكثيرات من جيل أمّي (وكثيرات من فتيات جيلي)، كنّ (مازلن) معتنقات لهذا الفِكر، لذلك تجد كل همّ المرأة أن تتزوج شخصًا ينفق عليها ما يكفيها وأبناءها، أو ما لا يكفيها، فهي تكتفي بأي شيء يأتي من رجل، لأن ظلّ الرجل أفضل من ظلّ الجدار.
لكنّ رتم الحياة العصرية جعل الرجل والمرأة يلتقيان فكريًا أكثر من ذي قبل، ما لم يكن يحدث في السابق على الإطلاق، أنا لا أراك كثيرًا لماذا أختلف معك عندما نلتقي؟ نحن لم نكن نعرف حتى معنى الاختلاف حينها.. أنت تفعل ما أحتاج والعكس.
هذا الأمر يذكّرني بالأزواج الذين يعملون في الخليج وزوجاتهم في مصر، بعد عشرين سنة من الغربة يعود الزوج ليعيش مع زوجته وبين أبنائه ليكتشف الكارثة. من هؤلاء؟ ومن هذه؟
أنا كنت متزوجًا هذه منذ عشرين عامًا؟ وهؤلاء من كنتُ أصرف عليهم كل هذه المدة؟ وهي تسأل، من هذا؟ هذا ليس الشخص الذي تزوجته!
( المفترض أن يكون السؤال: هذا ليس الشخص الذي تزوجته دون أن أتعرف عليه نظرا لظروف السفر، ولو سئلت عن تفاصيله لما عرفت الإجابة! هذه زيجة تيك أواي.. والمرء لا يعيش حياته كلها على التيك أواي!! لكنّه اكتشاف متأخر دائمًا )
هذا بالضبط أقرب مثال يوضح الفرق بين علاقة الرجل والمرأة سابقًا والآن.. ومهما يكن من أمر، كانت المرأة تصبر وتتحمّل، لأنّها مقتنعة تمامًا - أو يتمّ إقناعها قسرًا - من كلّ ذكور مجتمعها ونسائه اللاتي وقعن في نفس المأزق، أنّها ستخسر دائمًا إن فقدت الرّجل \ أيّ رجل، بدون أسباب أخرى، أصبحت تلتفت للصغار وتخرج كل عواطفها عليهم حتى نسيت أصلا أنها أنثى، وكثيرات لم يعرفن أصلا أنهنّ " إنسان" طبيعي يفكّر ويتحدث ويسمع ويقرر كيف يعيش وينفذ قراراته ويكون شخصًا مسؤولا عن أوسع من "ماذا سنأكل اليوم"، فضلا عن أنثى من حقّها أن تشعر بأنوثتها، كما يحب الرجل دائمًا أن يشعر برجولته. لم يعد يكتفي الرجال بما كان في السابق بمجرّد الرعاية الإجمالية لهم ولأطفالهم. بل أصبح يريد مزيدًا من الرعاية النفسية والعاطفية والجنسيّة، بينما ظلّت المرأة كزوجة في الصفوف المتأخرة. سواء في تعلّم الأخذ أو المنح. لا تعرف كيف تشبع نفسها عاطفيًا، ولا تفهم نفسية الرجل الذي أمامها، فآخر ما وصلها من النساء قبلها، مبادئ تقدسها جُلّها إن لم يكن كلّها خاطئ..
مؤخرًا، وبعد استقلال النساء ماديًا عن الرجال، بعد انكسار صورة المرأة التي لا تستطيع أن تعيش دون رجل لأنه العائل الوحيد لها، لا أكثر،"حروح فين يعني أنا والعيال؟" كما سمعتها من نساء، أصبحت العلاقات أكثر تعقيدًا.. وأكثر تعقيدًا هنا أراها أنا أكثر إنسانية. في السابق أتخيل أنّ المعاملة لم تكن "إنسانية" بالمستوى اللائق.
"التعقيد" الآن هو أنّ رتم الحياة أصبح يحتّم عليهما أن يتفقا فكريًا، ويحتاج كلّ منهما أكثر لمن يشبع الآخر عاطفيًا، وبحسب جون غراي، فإنّ على كل منهما أن يفهم نفسية الآخر جيدًا وطريقة تفكيره، فلم يعد يكفي أن يجلب الرجل الطعام والحماية، لأن المرأة لا تحتاجهما الآن، بل تحتاج إلى التفهم والحنان وإلى من ينصت إليها وإلى متاعبها في العمل أو في الحياة عمومًا.. ويحتاج الرجل بالمقابل إشباعًا عاطفيًا مماثلا ويحتاجان معًا إلى احترام متبادل.
لم يعد يكفي الرجل أن تهتم المرأة بصغاره أكثر منه، لأن "بيقولوا" الأمومة فطرة والأبوّة ممارسة، وأنا أرى كلاهما ممارسة لا أكثر، ورأيت قناعتي هذه في كتاب "أصل الفروق بين الجنسين"، والذي ربما أكتب عنه لاحقًا، باختصار.. لو ربينا الطفل الذكر من صغره على أنه أنثى – في مصر بالذات!- فسيقول عندما يكبر: نفسي أبقى أمّ !
أنا نَفْسِي عندما ألاطف طفلا ويبادلني ذلك، أستطيع أن أمارس معه ما يسمّى بالأمومة. الأمومة ليست صعبة بقدر التربية. والتي للأسف لم يعد أحد يقوم بها.
مقولة "الأم هي اللي تربي مش اللي تخلّف" صحيحة إلى حد بعيد.
الإنسان أكثر الكائنات تعقيدًا. لم يكن هذا التعقيد ظاهرًا من قبل لأنّ العلاقات كانت قائمة على غرائز فقط. لذلك كانت ناجحة أغلبها ! مهما كان الرجل يخون كانت المرأة تصبر، لأنها ليس لها عائل، ومن العار أن تعود إلى منزل أهلها. هذا فضلا إذا شعرت أن الخيانة طعنًا فيها أصلا، هذا الكلام كان سابقًا وحتى فترة قريبة. هذا مثال فقط.
بينما الآن لم يعد هذا الكلام سائدًا بين شريحة كبيرة من النساء، وإن كانت لا تكفي بعد لتغيير المجتمع.
هل أصبحت الإنسانية صعبة لهذه الدرجة؟
طيب. لم أبدأ بعد فيما استفزّني أصلا للكتابة. كل هذه كانت مقدمة لابدّ منها. الرجل في المقال أعلاه- إن لم تكونوا قد قرأتموه- في الأربعين ولم يتزوج بعد لأنه غير مقتنع بالزواج كغرض في حد ذاته، ولا يتخيل نفسه مقتربًا "هذا الحد" من شخص ما مالم يكن يحبّه .. فهو لا يطيق نفسه أحيانًا فكيف بآخر؟
( ذكّرني بمقال قاله أحد الأشخاص في منتدى زمان، أنه لا يتخيل كيف لامرأة أن تسمح لنفسها أن تعرف أدق تفاصيله، وأن تفتش جيوبه وتقلّب في أشيائه الخاصّة بأيّ حق كان) ..
فعلا من يكون له الحق أن أمنح له نفسي وجسدي دون أن أحبّه وأرغب في قربه كما يرغب في قربي؟ لماذا يأتي شخص غريب ليس له علاقة قرابة بي، تتيح له ورقة واحدة أن يأخذ منّي ما لا يستطيعه أحد وبمباركة الجميع؟ ويفرض عليّ أن أتقبله كما هو؟ لماذا أكتب على نفسي ميثاقًا غليظًا دون أن أكون مستعدة للموت من أجل هذا الشخص؟ ربما أكون مبالغة قليلا. لا أحد يموت لأجل أحد هذه الأيّام. ولم أوضع في هذا الموقف لأحكم. رغم أنّ "الميثاق الغليظ" يوحي بشكل ما بالتضحية بالروح.
ما عليناااااااا دعوني أغيّر السؤال.
لماذا أمنح أحدهم سلطة دينية عليّ (ولن أقول مجتمعية لأني كفرتُ بالمجتمع الحالي) دون أن أكون فعلا راضية بكلّ هذه السلطة ومستمتعة بها؟ لماذا أقيّد نفسي؟
في المقال الذي جعلني أكتب كلّ هذا الكلام.. الفتاة تعترف بزمالة (أو صداقة) أو أيًا كان اسمها، بينها وبين بطل القصّة الأربعيني، وعندما يعرض عليها أن يمرّ عليها في العمل ليأخذها ويذهبا إلى أية مكان كي يتحدثا، ترفض بحجة "الناس تقول علينا إيه" لكنّها في ذات الوقت تخبره أنها ستذهب إليه في المنزل كحلّ بديل للهروب من"اللي الناس حتقوله علينا" ..
طيب بالذمة مفيش ناس في العمارة؟ دا سؤال عارض كدا خارج النص.
بس الفكرة في المدى الذي أوصل الناس لعمل أشياء دون أن تسأل نفسها للحظة "ربنا حيقول عليّ إيه!" أو "الحاجة دي حرام ولا حلال ولا مش عارف ونفسي أعرف" عن نفسي، كثير جدًا من الأشياء لا أجد لها سوى رقم3، مش عارفة ونفسي أعرف وعارفة إني لو سألت مش حوصل لحاجة لأني قرأت القرآن وكثير من السنّة ولا فائدة.. لذلك أستشير ضميري، لأنّ الله ترك الكثير من المسكوت عنه رحمةً بنا.
مش دا موضوعنا. المهم، الناس ممكن تكذب عشان الناس ما تزعلش، أو تكذب عشان ما نتعاقبش، أو – كما سمعت عندما كنت في المدرسة - كان بعض الشباب يسجّل للفتيات مكالمات هاتفية ساخنة، فيهددها بإسماعها لأبيها فتخشى عقاب أبيها وتذهب لمقابلة الشاب- تصحيح خطأ بخطأ ألعن- ومن ثمّ تمنحه جسدها كي لا يمنح أبيها ما يثبت أنّها قابلته!
السعودية بقى، يحدث هذا في مصر بأشكال أكثر تنوعًا لكن الفكرة واحدة !
"الجحيم هو الآخرون" كما يقول سارتر.. أي أنّ "الجحيم هو أن تعيش في مجتمع يحشر كل واحد فيه أنفه في شؤون الآخرين عوضًا عن شؤونه الخاصّة"..
قال رجل لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، أنّه يرّبي أبناءه على ما تربى هو عليه، فنهره عن ذلك، وقال له: إنّك تربيهم لزمن غير زمنك. أو بلفظ آخر قال: ربّوا أبناءكم لجيلهم فإنهم قد خلقوا لجيل غير جيلكم.
فلماذا نمارس جميعًا نفس الخطأ؟ الرجل يقول: زي ما أبويا عمل فيا، والمرأة تقول: زي ما اتربيت حربّي؟ وأكثر من ذلك، فإنهم يعاملان بعضهما كما رأوا أبويهما يعاملان بعضهما، بغض النظر عن صحة ذلك من عدمه، واختلافه من أسرة لأخرى.
مش معقول يا ربّي كلهم بيكرروا الخطأ نفسه، لأنهم ليس لديهم الرغبة في التغيير أو أنهم يخافون مسؤولية التغيير وتحمّل تبعات ذلك – وهو الأرجح - !
وكأنهم لو ربوا أبناءهم على غير ما تربوا هم سينتج عن ذلك ديناصورات مثلا !
وأخيرًا.. ملخص كل ما سبق كلمة واحدة. لا فائدة!
ما بعد الآخر.. اكتشفت أغاني حلوة لنَنّوس ! أيوة أيوة، كنتُ أظنّ أن ذوقي صار هابطًا لكن لها أشياء لا بأس بها..
لمسة إيد


